أثارت زيارة رئيس هيئة الترفيه السعودية تركي آل الشيخ إلى القاهرة ولقاؤه بعدد من رجال الأعمال المصريين ووزيرة الثقافة جدلًا حادًا بين خبراء ومراقبين يرون أن المشهد يتجاوز مجرد تعاون ثقافي عابر، ليطرح أسئلة حول طبيعة النفوذ المالي السعودي في بلد يمر بأزمة اقتصادية خانقة، وحول استخدام “الترفيه” كغلاف لاستثمارات غير شفافة قد تُعمّق الفجوة الاجتماعية وتُهمِّش الأولويات الملحّة للمجتمع المصري.

يستند الجدل إلى تصريحات رسمية تتحدث عن “شراكة مثمرة” ومشروعات ضخمة، في مقابل انتقادات حادة من شخصيات سياسية وإعلامية وخبراء حقوقيين واقتصاديين.

 

 

لقاء رجال الأعمال بين المال المشروع و«التجمع على حساب الوطن»

 

النائب السابق طلعت خليل اعتبر أن مشكلة المشهد ليست في وجود مليونيرات أو مستثمرين عرب في حد ذاته، بل في طبيعة تجمعهم وأجندته، قائلًا إن الخلاف ليس مع أصحاب الثروات إذا كانت مشروعة، بل مع أن يكون اجتماعهم “على حساب الوطن والشعب المتعب اقتصاديًا”، في إشارة إلى اللقاء الذي جمع تركي آل الشيخ بعدد من رجال الأعمال المصريين في ظل ضائقة معيشية واسعة.

يرى مراقبون أن هذه الرسالة تعبّر عن خشية متزايدة من تحوّل اللقاءات المغلقة بين مسؤول سعودي نافذ ورجال أعمال محليين إلى أدوات لإعادة رسم خريطة المصالح الاقتصادية بعيدًا عن أي نقاش عام أو رقابة مجتمعية جادة.

 

 

في السياق نفسه، يحذر الباحث يزيد صايغ، المتخصص في الاقتصاد العسكري المصري، من أن الاعتماد المتزايد على الأموال الخليجية في صفقات واستثمارات تُدار فوق الطاولة وتحتها يعمّق من هيمنة شبكات مغلقة على الاقتصاد ويُبقي القرارات الاقتصادية الكبرى خارج أي مساءلة أو شفافية، وهو ما يراه عائقًا أمام تنمية حقيقية أو تنافسية عادلة للقطاع الخاص المحلي.

ويشير مراقبون إلى أن استقدام شخصية مثل تركي آل الشيخ إلى قلب هذه المشهدية الاقتصادية، وسط صمت برلماني وإعلامي شبه كامل داخل مصر، يعزز الانطباع بأن شكلًا جديدًا من “المال السياسي الإقليمي” يترسخ فوق مجتمع يعاني من تضخم وضرائب ورسوم متزايدة.

 

وزيرة مثقلة بالاتهامات ومشهد مجوهرات في حضرة «الترفيه»

 

الإعلامي هيثم أبو خليل ركّز على زاوية مختلفة في صورة استقبال تركي آل الشيخ داخل وزارة الثقافة، داعيًا إلى عدم الاكتفاء بالتعليق على يد المسؤول السعودي على كتف الوزيرة جيهان زكي أو الالتفات إلى الخواتم الباهظة واللؤلؤ والألماس التي ظهرت في يدها اليسرى واليمنى، محذرًا من أن يتم تفسير هذه التفاصيل باعتبارها مجرد “إبداع وثقافة”، ومذكرًا في الوقت نفسه بأن الوزيرة “متهمة بالسرقة” وفق ما يورده في تغريدته، معتبرًا أن هذه المظاهر جزء من “تبعات العبث” في إدارة الشأن العام.

 

 

هذا التناقض بين خطاب رسمي يتحدث عن “شراكة ثقافية” وصورة لوزيرة يلاحقها سجال حول اتهامات سابقة، يعيد إلى الواجهة تحذيرات حقوقيين مصريين من أن النخبة التي تدير ملفات الثقافة والاقتصاد اليوم هي نفسها التي نجت من أي مساءلة حقيقية عن قضايا فساد أو تضارب مصالح.

الحقوقي حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يشير في مقابلات وتقارير متعددة إلى أن النظام القضائي خضع خلال السنوات الأخيرة لتسييس عميق، وأن قضايا الفساد أو الانتهاكات نادرًا ما تصل إلى نهايات عادلة عندما يكون المتورطون قريبين من دوائر السلطة الاقتصادية أو الأمنية، ما يخلق شعورًا عامًا بأن الكلفة تقع دائمًا على الفئات الأضعف بينما تُحمى طبقة ضيقة من أي محاسبة.

 

وعود «البهجة» في ظل عجز مالي وحروب معلّقة

 

الصحفي تركي الشلهوب قدّم قراءة أكثر حدة للمشهد من زاوية سعودية، مذكّرًا بعجز في الميزانية السعودية يبلغ، بحسب تغريدته، نحو 276 مليار ريال، وبأن المنطقة “على كف عفريت”، وأن المملكة نفسها مهددة في ظل مشاريع توسعية إسرائيلية، قبل أن يهاجم تركي آل الشيخ الذي “يعد المصريين بمفاجآت”، ويصف الدولة التي تدير هذا المسار الثقافي والترفيهي بأنها “دولة يديرها السفهاء”، في تعبير عن غضب من توجيه موارد ضخمة نحو ترفيه عابر للحدود بينما الأزمات البنيوية والأمنية لم تُحل بعد.

 

 

على مستوى أوسع، ترى الباحثة السعودية مدوي الرشيد أن “الثورة الترفيهية” التي تقودها الرياض في السنوات الأخيرة، والتي يمثل تركي آل الشيخ أحد وجوهها الأكثر حضورًا، تعمل ضمن إطار سلطوي يهدف إلى إعادة تدوير صورة النظام أكثر مما يهدف إلى إصلاحات سياسية أو حقوقية، مشيرة في مقالاتها إلى أن ضخ الأموال في المهرجانات والحفلات لا يغير طبيعة البنية الاستبدادية بقدر ما يمنحها غطاء ناعمًا أمام الشركاء الخارجيين.

 

حقوقيون دوليون يضيفون بعدًا آخر للنقد؛ فسارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لمنظمة “الديمقراطية للعالم العربي الآن” (DAWN)، تحذر في سياق حديثها عن استثمارات الصناديق السعودية حول العالم من أن هذه الأموال تُستخدم لشراء النفوذ والصمت أكثر مما تُستخدم للتنمية، معتبرة أن ما يُسمى اليوم بـ“السبورتس ووشنغ” أو “التبييض عبر الرياضة والترفيه” يهدف إلى صرف الأنظار عن سجل حاد من الانتهاكات الحقوقية داخل المملكة.

ويرى مراقبون أن استنساخ هذا النموذج في مصر، تحت عناوين “مفاجآت” و“زراعة الأمل”، يطرح سؤالًا عما إذا كانت التسهيلات الممنوحة لآل الشيخ تعبيرًا عن شراكة ثقافية حقيقية أم جزءًا من صفقة أوسع تعيد ترتيب موازين القوة في المجالين الاقتصادي والإعلامي.

 

شراكة ثقافية أم بوابة نفوذ سياسي واستثماري جديد؟

 

في المقابل، تؤكد وزيرة الثقافة أن اللقاء مع تركي آل الشيخ تضمن “دراسة شاملة للمقترحات والمشروعات” التي طُرحت، مع “تفاؤل بقرب تنفيذها”، واصفة التعاون المرتقب بأنه “شراكة مثمرة” تدعم الحركة الثقافية والفنية وتعزز التواصل الحضاري بين مصر والسعودية.

وتشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مشروعات مشتركة تحت شعار “نزرع الأمل والبهجة”، تشمل التعاون في السينما والمسرح وتنظيم حفلات بدار الأوبرا المصرية ومسارح المملكة، إضافة إلى دراسة مشروع ثقافي كبير في الساحل الشمالي والتوسع في دعم المواهب وتبادل الخبرات، وفق ما نقلته منصات إعلامية.

 

 

لكن منظمات حقوقية مثل “معًا من أجل العدالة” كانت قد دعت مؤخرًا إلى وقف التعاون مع تركي آل الشيخ، بعد تقارير استقصائية غربية تحدثت عن اتهامات خطيرة تتعلق بانتهاكات حقوقية وحملات قمع استهدفت منتقدين داخل السعودية، معتبرة أن تحويله إلى واجهة “للأمل والبهجة” في دول أخرى يتجاهل هذه الخلفية ويمنحه شرعية سياسية وأخلاقية مجانية.

ويربط خبراء بين هذه التحفظات وبين ما كتبه يزيد صايغ عن أن الاقتصاد المصري، الذي تهيمن عليه المؤسسة العسكرية وشبكاتها، يعتمد بشكل متزايد على الريع والخليج، ما يعني أن أي مشروع ثقافي أو ترفيهي كبير – خاصة في مناطق استراتيجية مثل الساحل الشمالي – قد يصبح جزءًا من منظومة مغلقة من الامتيازات، بعيدًا عن الرقابة البرلمانية أو المجتمعية.

 

في هذا السياق، يشدد حسام بهجت وغيرُه من المدافعين عن الحقوق في مصر على أن الأزمة ليست في التعاون الثقافي بحد ذاته، ولا في قدوم مسؤول سعودي للاستثمار أو الشراكة، بل في غياب قواعد شفافة تحكم هذه الصفقات وتحدد عائدها الحقيقي على المواطنين الذين يواجهون ارتفاعًا حادًا في الأسعار وتآكلًا في الخدمات العامة.

ويرى مراقبون أن زيارة تركي آل الشيخ، كما عكستها الصور والتصريحات والتغريدات، أعادت فتح ملف أوسع يتعلق بكيفية إدارة الطبقة الحاكمة في مصر لتحالفاتها مع رأس المال الإقليمي، وبما إذا كانت هذه التحالفات تُبنى لصالح مجتمع مأزوم أم لتثبيت معادلة جديدة يكون فيها “الترفيه” واجهة براقة لصفقات تُصنع بعيدًا عن عيون من يدفعون ثمنها في نهاية المطاف.