تبدأ هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، اعتبارًا من أول مارس، تطبيق نظام "الاستعلام الجنائي" على كل الشركات والمؤسسات والمستثمرين الراغبين في الحصول على أراضٍ أو التعاقد مع الهيئة. لن يُسمح لأي شركة بالتقدم لفرص الاستثمار أو تخصيص الأراضي إلا بعد الحصول على شهادة رسمية من وزارة الداخلية، وإتمام تسجيل مسبق على منصة تابعة لـ"قطاع المشروعات والتنمية" بالوزارة.
قرار يقدَّم رسميًا تحت عناوين "الشفافية والحوكمة" وحماية حقوق المواطنين، لكنه يثير في المقابل مخاوف واسعة في قطاع التطوير العقاري من زيادة تغوّل الأجهزة الأمنية على المجال الاقتصادي، وتعميق مناخ عدم اليقين الذي يشتكي منه المستثمرون في عهد عبد الفتاح السيسي.
استعلام أمني شامل.. توسّع في منطق الاشتباه
نص قرار الهيئة، الصادر استنادًا لقرار مجلس إدارتها رقم 211 في نوفمبر الماضي، على أن الاستعلام الجنائي شرط مسبق لأي شركة أو شخص اعتباري يرغب في المنافسة على أراضٍ أو مشروعات، مع إلزام المستثمر بالتسجيل بنفسه لدى وزارة الداخلية وتحمل رسوم استعلام غير مستردة، وتقديم حزمة كبيرة من المستندات تشمل السجل التجاري ومحاضر الجمعية والبطاقة الضريبية وبطاقات كل الشركاء.
كما يجيز النظام لوزارة الداخلية رفض الطلب "دون إبداء أسباب"، ويجيز للمنظومة إنهاء حساب المستثمر أو تعليق الخدمة في أي وقت إذا رأت – وفق تقديرها الخاص – أنه سلوك "غير مقبول". بذلك لا يصبح الاستعلام مجرد إجراء تحقق من هوية أو سجل جنائي واضح، بل أداة فرز واسعة تسمح للجهة الأمنية باستبعاد شركات كاملة من دخول السوق، دون إلزام بالشفافية أو حق تظلم واضح، في وقت تعلن فيه الحكومة على المستوى الخطابي أنها تسعى لجذب استثمارات القطاع الخاص ورفع مساهمته في الاقتصاد.
القراءة الرسمية تربط القرار بالرغبة في حماية المواطنين من الشركات المتعثرة أو غير الجادة، خاصة مع انتشار نمط "الأوف بلان" في السوق، حيث تُباع الوحدات قبل البناء ويتم تمويل التنفيذ من أقساط المشترين. كما يؤكد مصدر داخل الهيئة أن الآلية ستمتد أيضًا للمقاولين المتعاملين معها، بحجة ضمان جدية من يُسند إليه تنفيذ مشروعات كبرى. لكن توسيع نطاق الفحص الجنائي ليشمل كل مستثمر ومقاول، مع غياب معايير معلنة للرفض أو آلية شفافة للطعن، يجعل القرار أقرب إلى تعميم منطق الاشتباه المسبق على كل من يريد دخول سوق التطوير العقاري، لا مجرد تدقيق في حالات محددة ثبت تلاعبها بالعملاء.
مستثمرون: إجراءات "تطفيش" لا إصلاح بيئة الأعمال
عضو مجلس إدارة غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات وصف القرار بأنه "إجراء معطل" سيؤدي عمليًا إلى "تطفيش المستثمرين"، موضحًا أن إلزام المستثمر بالتسجيل والدخول بنفسه على أنظمة وزارة الداخلية يمثل عبئًا إضافيًا في بلد يعاني أصلًا من تعقيد الإجراءات وكثرة الموافقات. ويرى أن الاتجاه المنطقي – إن أصرت الدولة على الاستعلام – هو أن تتولى الهيئة بنفسها مخاطبة الجهات المعنية للحصول على المعلومات اللازمة عن أي شركة تتقدم للأراضي، ثم تتحمل مسؤولية قرارها أمام المستثمر، بدلًا من تحميله كلفة ووقتًا إضافيين، وتركه تحت رحمة رفض أمني بلا سبب.
المصدر نفسه يربط بين هذا القرار وبين سلسلة قرارات في السنوات الأخيرة زادت من أعباء القطاع، سواء عبر أسعار الأراضي، أو طريقة السداد، أو تداخل جهات الولاية، معتبرًا أن إضافة بوابة أمنية إلزامية جديدة تعمّق شعور المستثمرين بأن الدولة لا تثق في القطاع الخاص، بل تنظر إليه باعتباره "حالة يجب مراقبتها" لا شريكًا في التنمية. ويشير إلى أن مجلس إدارة غرفة التطوير العقاري سيناقش القرار بهدف رفع توصيات للحكومة توضح آثاره السلبية على الاستثمارات، لكن التجارب السابقة مع سياسات مشابهة تجعل كثيرين غير متفائلين بتراجع حقيقي ما دامت الإرادة السياسية تميل إلى توسيع الدور الأمني في الاقتصاد.
في سياق أوسع، يقرأ منتقدون هذا المسار كجزء من مناخ عام تشكل بعد يوليو 2013، حيث تعاظم نفوذ الأجهزة السيادية في قطاعات الاقتصاد المختلفة، من المقاولات إلى التطوير العقاري والطاقة، مع توسع الجيش في مشروعات المدن الجديدة والطرق والعاصمة الإدارية. في هذا المناخ، يصبح المستثمر الخاص مطالبًا بخوض طبقات إضافية من الفحص الأمني، بينما تنافسه شركات مملوكة لجهات سيادية لا تخضع في العادة لنفس مستوى الرقابة أو الإفصاح، ما يخلق شعورًا بعدم تكافؤ الفرص، ويضعف حماس المستثمر الجاد للدخول في شراكات طويلة الأجل.
حماية المواطن أم إحكام القبضة على السوق؟
المصدر الرسمي داخل الهيئة يدافع عن القرار باعتباره أداة لحماية المواطنين من الشركات التي تسوق مشروعات "أوف بلان" وتتعثر في التنفيذ مع استمرارها في شراء أراضٍ جديدة، مؤكداً أن الاستعلام الجنائي سيوفر قاعدة بيانات عن الشركات ومراحل نموها وقدرتها على الالتزام، ويمنع من وصفهم بـ"غير الجادين" من التوسع على حساب العملاء. لكن منتقدين يشيرون إلى أن حماية المواطنين لا تتطلب بالضرورة فحصًا جنائيًا من وزارة الداخلية، بقدر ما تتطلب آليات تنظيمية واضحة؛ كاشتراط نسب إنجاز معينة قبل البيع، أو إلزام الشركات بحسابات ضمان، أو تفعيل رقابة مالية وهندسية مستقلة تتابع تقدم المشروعات وتتعامل بشفافية مع الجمهور.
من زاوية الحقوق الاقتصادية، تبدو بنود تتيح رفض الطلب أو إنهاء الحساب "دون إبداء أسباب" أو وقف الخدمة لأي "سلوك غير مقبول" صياغات فضفاضة تمنح الجهة الإدارية والأمنية سلطة تقديرية واسعة، دون رقابة قضائية فورية أو معايير محددة، ما يتناقض مع أبسط قواعد اليقين القانوني الضرورية لأي نشاط استثماري طويل الأجل. كما أن فرض رسوم استعلام غير مستردة، في سوق يعاني أصلًا من تراجع الطلب وتعثر عدد من المشروعات، يزيد الكلفة على الشركات الصغيرة والمتوسطة، ويكرس واقعًا يصبح فيه الدخول إلى سوق العقار رهينًا برضا أمني مسبق، فوق الشروط الفنية والمالية المعتادة.
في النهاية، يعكس قرار "الاستعلام الجنائي" في هيئة المجتمعات العمرانية نمطًا متكرراً في إدارة الاقتصاد في عهد عبد الفتاح السيسي؛ توسيع مستمر للدور الأمني والبيروقراطي تحت لافتة "الشفافية والحوكمة"، مقابل تضييق فعلي على حركة الاستثمار الحر، وتكريس رسالة غير معلنة مفادها أن من يريد العمل في القطاعات الحيوية عليه أولاً أن يمر عبر بوابة الأجهزة، لا عبر قواعد سوق واضحة ومتنافسة.
وبين خطاب رسمى عن دعم القطاع الخاص وتسهيل الإجراءات، وواقع تصنعه قرارات كهذه، يبقى المستثمر – محليًا وأجنبيًا – أمام سؤال بسيط ومباشر: هل المخاطر السياسية والأمنية في الاستثمار العقاري المصري تستحق رأس ماله، أم يبحث عن سوق أقل تعقيدًا وأكثر استقرارًا خارج حدود "الجمهورية الجديدة"؟

