خفضت البيانات الرسمية معدل التضخم السنوي في مصر إلى 10.1% في يناير 2026، مقابل 10.3% في ديسمبر 2025، مع تضخم شهري يبلغ 1.5% وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

 

لكن في الوقت نفسه، كانت أسواق الخضروات واللحوم والألبان تتحرك في اتجاه معاكس تمامًا. أسعار الطماطم والبصل والبطاطس واللحوم والدواجن قفزت خلال أسابيع قليلة بنسب ملحوظة، في توقيت يسبق واحدًا من أكثر مواسم الاستهلاك حساسية للمصريين: شهر رمضان.

 

المفارقة بين أرقام تتحدث عن «انحسار التضخم» وواقع يصفه المواطنون بمزيد من الغلاء، تفتح الباب لسؤال جوهري: هل تعكس المؤشرات الكلية ما يحدث فعلًا في جيوب الناس؟ أم أن الفجوة بين التضخم المُعلن والتضخم المحسوس تتسع عامًا بعد عام؟

 

هذا التقرير يحاول قراءة هذه الفجوة من خلال بيانات رسمية وشهادة أربعة من الخبراء الاقتصاديين، يربطون بين شكل الاقتصاد القائم، وطبيعة التضخم، وما يشعر به المواطن على موائد رمضان.

 

أولًا - أرقام رسمية مطمئنة.. وأسواق تشتعل

 

بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وصل رقم القياس العام لأسعار المستهلكين إلى 268.1 نقطة في يناير 2026، مع تراجع التضخم السنوي إلى 10.1%، لكن مع ارتفاع شهري ملحوظ بنسبة 1.5%، مدفوع أساسًا بارتفاع أسعار الأغذية والمشروبات.

 

في المقابل، تظهر بيانات مركز معلومات مجلس الوزراء عن أسعار الخضر أن كيلو البطاطس سجل قفزة يومية تجاوزت 17% في منتصف يناير، مع ارتفاع شهري بنحو 13%، وارتفاع سنوي يفوق 18%. كما شهدت أسعار الدواجن البيضاء زيادات شهرية قاربت 14% في بعض الأيام وفق نفس المصدر.

 

هذه التحركات لا تبدو استثنائية، لكنها تأتي فوق مستويات سعرية مرتفعة أصلًا. الأسر لا تقارن أسعار اليوم بأسعار الشهر الماضي فقط، بل تقارنها بسنوات من التآكل المتراكم في قدرتها الشرائية.

 

على الجانب العالمي، يواصل مؤشر أسعار الغذاء التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) التراجع للشهر الخامس على التوالي، ليسجل 123.9 نقطة في يناير 2026، بانخفاض عن ديسمبر وعن مستواه قبل عام، مع تراجع في أسعار الألبان واللحوم والسكر عالميًا.

 

هذا التباين بين اتجاه الأسعار العالمية وبين سلوك السوق المحلية يعزز إحساس المصريين بأن المشكلة لم تعد في «عوامل خارجية» بقدر ما هي مرتبطة بطريقة إدارة الاقتصاد والأسواق داخليًا.

 

الخبير الاقتصادي هاني جنينة أشار في وقت سابق إلى أن تراجع التضخم في مصر خلال 2025 كان مدفوعًا بعوامل منها استقرار سعر الصرف وتأجيل بعض الزيادات في أسعار الطاقة، ما سمح للبنك المركزي ببدء دورة خفض أسعار الفائدة. لكنه حذّر في تحليلاته من أن هذا المسار يعتمد على استمرار السيطرة على الصدمات، وأن أي اختلال في الأسواق أو الأسعار الإدارية قد يعيد الضغوط من جديد.

 

عمليًا، ما يراه المواطن الآن أن التضخم «يهدأ» في الجداول، بينما تظل «الصدمة» حاضرة في فاتورة الخضار واللحوم قبل رمضان.

 

ثانيًا - تضخم كـ«ضريبة على الفقراء» لا مجرّد مؤشر

 

الباحثة الاقتصادية سلمى حسين وصفت التضخم في مصر قبل سنوات بأنه أقرب إلى «ضريبة يتحمل عبئها الفقراء وذوو الدخل المنخفض»، لأن الجزء الأكبر من إنفاقهم يذهب على الغذاء والخدمات الأساسية، وهو ما يجعل أي زيادة في الأسعار تصيبهم بشكل مضاعف.

 

في ورقة بحثية حديثة لها حول الأزمات الاقتصادية المتعاقبة في مصر، ترى سلمى أن التركيز على أدوات نقدية مثل رفع الفائدة لمواجهة التضخم، بينما أسبابه الأساسية مرتبطة بالسياسات المالية، وخفض الدعم، والضرائب غير المباشرة، يجعل كلفة المعالجة نفسها تقع على عاتق الفئات الأضعف.

 

تجربة ما بعد تعويم 2016 تؤكد هذا النمط؛ فمدونة للبنك الدولي حول سوق العمل في الشرق الأوسط تشير إلى أن مصر شهدت بعد التعويم ارتفاعًا حادًا في التضخم، بينما تراجعت الأجور الحقيقية بنحو 20% خلال خمسة عشر شهرًا، ما يعني أن «التحسن في المؤشرات لا ينعكس بالضرورة على دخول الناس»، بحسب تحليل خبراء البنك الدولي.

 

دراسة حديثة للباحث الاقتصادي محمد فؤاد عبد العال استخدمت خوارزميات تعلّم آلي لتحليل محددات التضخم في مصر، وخلصت إلى أن أهم العوامل المؤثرة هي سعر الصرف، وحجم الاستثمار الثابت، والإنفاق الحكومي، مع مساهمة ملحوظة للسيولة النقدية. الدراسة أظهرت علاقة إيجابية واضحة بين الإنفاق العام ومعدل التضخم.

 

هذا يعني أن المواطن لا يدفع ثمن تقلبات الأسواق فقط، بل يدفع أيضًا ثمن نموذج اقتصادي يقوم على توسع حكومي، ومشروعات كثيفة الكلفة، واعتماد كبير على الاستدانة، في ظل حماية أقل لدخله الحقيقي.

 

من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي والنائب السابق لرئيس الوزراء زياد بهاء الدين في مقالات وتصريحات متفرقة إلى أن الصفقات والتمويلات الدولية الأخيرة كانت «حلولًا مالية ضرورية»، لكنها جاءت بكلفة اجتماعية مرتفعة، وأن تحسين الأداء الاقتصادي يستلزم مراجعة المشروعات الضخمة، وتنظيم تدخل الدولة وأذرعها الاقتصادية في السوق، وربط الإصلاح الاقتصادي بإصلاح سياسي أوسع يُعيد بناء الثقة.

 

في ضوء هذه الرؤى، يصبح تراجع التضخم السنوي إلى 10.1% رقمًا محدود الدلالة منفصلًا عن واقع تتآكل فيه الدخول بفعل تراكم الزيادات السابقة، مع استمرار نفس نمط الإدارة الاقتصادية تقريبًا.

 

ثالثًا - رمضان تحت ضغط الغلاء.. وثغرة الثقة في السياسات

 

قبل أسابيع من رمضان، يسأل المواطن نفسه سؤالًا بسيطًا: هل سيستطيع شراء نفس كميات الغذاء التي كان يشتريها العام الماضي؟ الإجابة، وفق الأسعار الحالية للحوم والدواجن والخضر، تبدو أقرب إلى «لا».

 

بيانات محلية حديثة تظهر ارتفاعات متتالية في أسعار الدواجن البيضاء، مع تحذير حكومي من ممارسات احتكارية، بينما تشير أرقام أخرى إلى صعود متكرر في أسعار البطاطس والخضروات الأساسية.

 

في الوقت نفسه، يعلن البنك المركزي استهداف تضخم ضمن نطاق 5–9% على المدى المتوسط، ويتحدث عن نجاحه في كبح موجة التضخم التاريخية التي وصلت إلى قرابة 38% في سبتمبر 2023، قبل أن تتراجع تدريجيًا. لكن هذه النجاحات النقدية لم تُترجم إلى استعادة ملموسة في القوة الشرائية للأسر.

 

الاقتصادي هاني جنينة يرى أن استمرار تراجع التضخم يمنح البنك المركزي مساحة لمزيد من خفض الفائدة، لكن هذا المسار وحده لا يكفي إذا لم يتزامن مع إصلاحات في هيكل الاقتصاد، وزيادة الاستثمار الإنتاجي، وتحسين بيئة الأعمال.

 

في المقابل، تشدد سلمى حسين على أن السياسات التي تُحمّل الفئات الأضعف كلفة «التصحيح» المالي، من خلال تقليص الدعم ورفع الضرائب غير المباشرة، تعمّق الفجوة بين المؤشرات الكلية والواقع الاجتماعي، وتُبقي التضخم عمليًا كأداة لنقل الثروة من القاعدة إلى القمة.

 

ويذكّر زياد بهاء الدين في أكثر من مناسبة بأن تحسين المؤشرات ليس هدفًا في ذاته، وأن نجاح أي برنامج اقتصادي يقاس بقدرته على رفع جودة حياة المواطنين، وتوفير فرص عمل، وتثبيت توقعات الأسر بشأن المستقبل، لا بمجرد تراجع رقم التضخم على موقع رسمي.

 

في النهاية، تكشف فجوة «التضخم على الورق» و«التضخم على موائد رمضان» عن أزمة أعمق من مجرد حركة أسعار: أزمة نموذج اقتصادي يميل للجباية والاستدانة والمشروعات الضخمة، أكثر مما يميل لدعم الإنتاج الحقيقي وحماية الدخل.

 

ما لم تنتقل السياسات من خطاب الاحتفاء بالأرقام إلى معالجة جذور الاختلال في الإنتاج والتوزيع والرقابة على الأسواق، سيظل المواطن يسمع أن التضخم يتراجع، بينما يرى بعينيه أن قائمة مشتريات رمضان تتقلص عامًا بعد عام.