تواجه المستشفيات الجامعية في مصر تهديدًا تشريعيًا جديدًا، بعدما حذّرت النقابة العامة للأطباء مجلس شيوخ السيسي من تمرير مشروع قانون تنظيم العمل بالمستشفيات الجامعية الذي يفرض إعادة ترخيص هذه المستشفيات كل خمس سنوات، مع صلاحيات واسعة بالغلق الإداري وفرض غرامات مالية كبيرة.
النقابة تقول بوضوح إن المشروع لا يستهدف تحسين جودة الخدمة، بقدر ما يحوّل الترخيص إلى أداة عقاب وضغط على مرفق عام هو خط الدفاع الأخير للفقراء في منظومة صحية منهوكة. ويأتي ذلك في سياق تشريعات متتالية توسّع مشاركة القطاع الخاص وتفتح باب خصخصة تدريجية للخدمات الصحية والتعليمية داخل المستشفيات الجامعية.
ترخيص يتحول إلى سلاح ضغط
مشروع القانون المطروح أمام مجلس شيوخ السيسي يشترط الحصول على ترخيص لتشغيل أي مستشفى جامعي لمدة خمس سنوات فقط، يصدر بقرار من وزير التعليم العالي، مع تجديد الترخيص مقابل رسوم مالية ودفع إلكتروني، ويمنح المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية حق الغلق الإداري الكلي أو الجزئي، وفرض غرامات بين 100 و500 ألف جنيه، وصولًا إلى إلغاء الترخيص نهائيًا في الحالات “الجسيمة”.
النقابة العامة للأطباء تؤكد أن هذا النظام غير مطبق في باقي المنشآت الطبية داخل مصر، حيث يكتفي قانون المنشآت الطبية بالتفتيش الدوري دون المساس بأصل الترخيص، وتحذّر من أن ربط الترخيص بمدة زمنية محدودة يهدد استقرار المستشفيات الجامعية ويعطّل دورها العلاجي والتعليمي والبحثي.
نقيب الأطباء أسامة عبد الحي عبّر في تصريحات ولقاءات إعلامية عن رفض النقابة لإعادة ترخيص المستشفيات الجامعية كل خمس سنوات، واعتبر أن تعديل قانون صدر في 2019 بهذه السرعة وبهذا الحجم من القيود “تسرع شديد” لا يراعي طبيعة هذا المرفق العام ولا حجم المرضى الذين يعتمدون عليه.
بهذا المنطق، يتحول الترخيص من إجراء قانوني لبدء التشغيل إلى أداة إدارية يمكن استخدامها لتعليق المستشفى فوق “حبل” التجديد والغلق، بدل توجيه الجهد نحو تطوير الإمكانات البشرية والمالية والفنية التي تعاني منها المستشفيات بالفعل.
شروط إنشائية تعجيزية لمستشفيات عمرها قرن
النقابة لا ترفض فقط فكرة الترخيص الدوري، بل تصف بند “توفيق الأوضاع الإنشائية” بأنه بند تعجيزي، خصوصًا للمستشفيات التاريخية مثل قصر العيني والحسين والدمرداش، المبنية منذ عقود طويلة داخل نسيج عمراني مكتظ، ولا يمكن إخضاعها لمعايير إنشائية جديدة كما لو كانت مباني تحت التشييد.
من هنا شدّد نقيب الأطباء أسامة عبد الحي على أن أي تعديل واقعي يجب أن يركز على التجهيزات الطبية والفنية الحديثة، وتوفير أجهزة ومستلزمات وتدريب للأطقم الطبية، بدلًا من تحميل المستشفيات أعباء إنشائية شبه مستحيلة التنفيذ لن ينتج عنها إلا تعميق العجز وإغلاق أقسام أو مبانٍ كاملة. وهو تحذير يعني عمليًا أن النص الحالي قد يؤدي إلى عقاب المرضى والأطباء معًا، لا إلى تحسين الخدمة.
في المقابل، تلقي تصريحات مسؤولي الاعتماد الصحي ضوءًا إضافيًا على الخلل في فلسفة القانون. فـ أحمد طه، رئيس هيئة الاعتماد والرقابة الصحية، يؤكد في أكثر من مناسبة أن دور الهيئة هو وضع معايير جودة واعتماد للمستشفيات، توفر الإطار التطبيقي لقوانين المساءلة الطبية وتقلل الأخطاء داخل المنشآت الصحية، أي أن بوابة “الجودة” هي الاعتماد، لا الترخيص الإداري ذاته.
هذا التمييز بين “الترخيص” كإذن قانوني و”الاعتماد” كأداة تقييم جودة، هو بالضبط ما تطالب به نقابة الأطباء؛ الفصل بين وظيفة الدولة في منح الترخيص مرة واحدة، ووظيفة جهات الاعتماد في تقييم الأداء بشكل دوري. جمع الوظيفتين في يد جهة واحدة مع سلطات غلق وإلغاء ترخيص يفتح الباب لتغوّل إداري لا علاقة حقيقية له بجودة الخدمة.
تشريعات تمهّد لخصخصة مقنّعة للجامعة والمستشفى
تحذير النقابة من مشروع القانون لا يأتي من فراغ؛ فخلال السنوات الأخيرة، صدرت تشريعات أخرى تتيح منح التزامات إدارة وتشغيل منشآت صحية عامة لمستثمرين مصريين وأجانب، ما أثار مخاوف من تقليص خدمات العلاج المجاني وتوسيع نفوذ القطاع الخاص داخل البنية الصحية العامة.
دراسات صادرة عن مبادرات بحثية في السياسات الصحية تشير إلى أن فصل المستشفيات الجامعية عن الجامعات أو إخضاعها لقواعد ترخيص واستثمار أقرب للقطاع الخاص هو خطوة على طريق خصخصة تدريجية للقطاع الصحي، تضر بالمرضى الفقراء ومحدودي الدخل، وتتعامل مع الصحة كـ”فرصة استثمارية” لا كحق أساسي.
في هذا السياق، يربط الحقوقي محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، بين نمط متكرر من السياسات: تحميل المريض مزيدًا من الأعباء عبر الرسوم والأسعار، بينما لا يُعالَج أصل المشكلة المتمثل في نقص التمويل العام وترك السوق للاحتكار. وقد حذّر مرارًا من أن استخدام أدوات إدارية ومالية (رسوم، غرامات، زيادات أسعار) دون رؤية شاملة للتمويل والحوكمة يؤدي عمليًا إلى طرد الفقراء من الخدمة الصحية أو دفعهم إلى تقليل العلاج.
ما تقوله نقابة الأطباء بوضوح هو أن مشروع قانون المستشفيات الجامعية نسخة جديدة من هذا النمط: قانون يتحدث عن “تنظيم العمل” و”ضمان الجودة”، لكنه في جوهره يوسع صلاحيات الإغلاق والعقاب، ويربط استمرار عمل المستشفى الجامعي بقدرتها على دفع رسوم وتجديد تراخيص، بدل أن يضمن لها تمويلًا كافيًا وكوادر مستقرة وتجهيزات ملائمة.
بدل الحوار الجاد مع النقابة وأعضاء هيئة التدريس وخبراء السياسات الصحية، أُعد المشروع – كما تقول النقابة نفسها – “بمعزل عن الحوار المجتمعي”، ما أنتج نصوصًا لا تعكس طبيعة العمل في مستشفيات تستقبل ملايين المرضى سنويًا وتدرّب آلاف الأطباء.
في النهاية، السؤال ليس تقنيًا عن مدة الترخيص أو قيمة الغرامة، بل سياسيًا وحقوقيًا: هل تريد سلطة السيسي مستشفيات جامعية مستقرة، ممولة بشكل كافٍ، خاضعة لاعتماد مهني مستقل؟ أم تريد مرفقًا تعليميًا وعلاجيًا حساسًا تحت رحمة ترخيص قابل للسحب كل خمس سنوات، وغرامات وغلق إداري، في طريق ممهّد لخصخصة مقنّعة وتراجع جديد لحق المصريين في علاج عام مجاني أو ميسّر؟
نقابة الأطباء اختارت أن ترفع الكارت الأحمر مبكرًا. تمرير القانون بصورته الحالية سيكون رسالة واضحة بأن صحة المرضى وتعليم الأطباء أقل أولوية من استمرار قبضة السلطة على كل مفصل من مفاصل المنظومة الصحية.

