في مؤتمر صحفي جديد، كرر مصطفى مدبولي رئيس وزراء السيسي رسالته المعتادة: الوضع الاقتصادي يتحسن، المؤشرات إيجابية، والمشروعات الكبرى ترفع جودة حياة المواطن.
لكن على الأرض، لا يزال ملايين المصريين يواجهون فواتير متضخمة، وأجورًا راكدة، وخدمات أساسية تعاني من التدهور أو الخصخصة الزاحفة، في ظل أعباء ديون ثقيلة وبرامج تقشف مفروضة تحت لافتة “الإصلاح الاقتصادي”.
بين مؤشرات الحكومة وأرض الواقع
مدبولي استند إلى 3 محاور رئيسية لتأكيد روايته:
- تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية.
- انخفاض التضخم السنوي إلى نحو 10.1% في يناير 2026.
- توسع الدولة في مشروعات كبرى مثل “حياة كريمة” وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية والرقمية.
البيانات الرسمية الأخيرة بالفعل تشير إلى تراجع معدل التضخم السنوي مقارنة بذروة موجة الغلاء في 2023، حين تجاوز التضخم في المدن المصرية 30–35% في بعض الشهور، وفق بيانات سابقة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والبنك المركزي. هذا التراجع يُقدَّم كدليل على نجاح سياسات البنك المركزي والحكومة في “احتواء التضخم”.
لكن تراجع معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، بل يعني تباطؤ سرعة الزيادة مقارنة بسنة كانت الأسعار فيها مرتفعة أصلًا.
المواطن لا يعيش في جداول المقارنة السنوية، بل في سلة مشترياته الحالية:
إيجار، كهرباء، دواء، مصاريف مدارس، موصلات، وغذاء ترتفع أسعاره مع كل زيارة للسوق.
تقارير دولية عديدة – من بينها تقارير صادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي – تقر بأن مصر ما زالت تواجه واحدة من أعلى أزمات تكلفة المعيشة في المنطقة، بسبب التضخم التراكمي، وضعف الأجور الحقيقية، وعبء خدمة الدين الخارجي والداخلي، رغم إشادتها بانضباط المؤشرات الكلية على مستوى العجز والاحتياطي. هذا التناقض يخلق فجوة ثقة بين خطاب الحكومة وتجربة المواطن اليومية.
فقر متجذر وإنفاق يميل للديون لا للخدمات
تشير تقديرات رسمية سابقة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن نسب الفقر في مصر تدور بين 30% وقرابة 33% من السكان في آخر مسح دخل وإنفاق منشور، مع ارتفاع ملحوظ في نسب الفقر في ريف الصعيد وبعض محافظات الدلتا.
في هذا السياق، تقول الدكتورة عالية المهدي – أستاذة الاقتصاد والعميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة – إن الحديث عن “تحسن اقتصادي” يجب أن يُقاس بقدرة المواطن على تلبية احتياجاته الأساسية، لا بمؤشرات عامة لا تعكس توزيع الدخل والثروة.
في أكثر من حوار وتحليل، أشارت المهدي إلى أن الفقر في مصر لا يُقاس فقط بدخل نقدي، بل بقدرة الأسرة على الحصول على تعليم وصحة وسكن كريم وغذاء كافٍ، وأن أرقام الفقر الحقيقية قد تكون أعلى إذا اُستخدمت معايير أكثر شمولًا للفقر متعدد الأبعاد.
في المقابل، يذهب عدد من الاقتصاديين المستقلين إلى أن هيكل الإنفاق في الموازنة العامة يكشف أولويات لا تتوافق مع خطاب “تحسين الخدمات”:
- بند سداد فوائد وأقساط الديون يلتهم نسبة ضخمة من الموازنة، هي الأكبر بين بنود الإنفاق.
- في حين تأتي مخصصات الصحة والتعليم أقل من النسب التي ينص عليها الدستور كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.
هذا الخلل يعني ببساطة أن الدولة تنفق أكثر على خدمة الديون والمشروعات الكبرى، وأقل على المدرسة الحكومية، المستشفى العام، وشبكات النقل المحلية التي يستخدمها أغلب المواطنين يوميًا.
في تحليل متكرر له، حذر الدكتور زياد بهاء الدين – النائب الأسبق لرئيس الوزراء والخبير الاقتصادي – من أن برامج الإصلاح التي تُصمم أساسًا لضبط المؤشرات، دون إصلاح مكمل في أولويات الإنفاق، وسيادة القانون، والشفافية، لا يمكن أن تنتج “تنمية شاملة”، بل تنتج استقرارًا رقميًا هشًا يدفع ثمنه الفقراء والطبقة الوسطى.
زياد أكد في مقالاته وندواته أن نجاح أي برنامج اقتصادي يجب أن يُقاس بتحسن نوعية حياة الناس، لا بمجرد انخفاض نقطة أو نقطتين في التضخم أو العجز.
تضخم رسمي هابط.. وأسعار غذاء وخدمات صاعدة
مدبولي يلوح بانخفاض التضخم إلى 10.1% كمؤشر تحسن.
لكن ما يواجهه المواطن في الأسواق قصة مختلفة:
- أسعار اللحوم والدواجن تشهد موجات ارتفاع متكررة قبل المواسم (رمضان، الأعياد).
- أسعار الخضروات والفاكهة تتحرك صعودًا مع أي اضطراب في المعروض أو تكاليف النقل.
- أسعار الدواء والخدمات الطبية والتعليمية الخاصة ترتفع بصمت وبنسب تفوق كثيرًا الأجر الشهري للمواطن العادي.
خبراء اقتصاد يؤكدون أن التضخم في سلة استهلاك الفقير أعلى بكثير من متوسط التضخم العام؛ لأن نسبة كبيرة من دخله تذهب إلى الغذاء والنقل والطاقة، وهي البنود الأكثر تعرضًا للزيادة.
هنا تتضح الفجوة بين المؤشرات الرسمية والواقع الاجتماعي:
التضخم الكلي يتراجع، لكن التضخم المحسوس في سلة الفقير والطبقة الوسطى لا يزال مرتفعًا وصادمًا.
يُضاف إلى ذلك تباطؤ نمو الأجور الحقيقية:
زيادة الأجر الاسمي لا تلحق بوتيرة ارتفاع الأسعار.
الحد الأدنى للأجور الحكومي يتحسن رقميًا، لكنه يظل أقل من تكاليف سكن ونقل وغذاء وتعليم لأسرة في مدينة كبرى.
محللون اقتصاديون يشيرون إلى أن التعاون مع مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي أدى إلى:
تعويم العملة، تقليص دعم الطاقة، زيادة الضرائب غير المباشرة والرسوم، وهي إجراءات تُحسّن أرقام الموازنة والاستثمار على الورق، لكنها ترفع تكاليف المعيشة على المدى القصير والمتوسط، خاصة إذا لم تُقابل بسياسات حماية اجتماعية فعّالة وتوزيع عادل لعبء الإصلاح.
مشروعات كبرى و“حياة كريمة”.. لأين يتجه العائد الفعلي؟
يشير مدبولي إلى مبادرة “حياة كريمة” وغيرها من المشروعات الكبرى باعتبارها دليلًا على أن الدولة تستثمر لصالح القرى الأكثر فقرًا، وتحسّن الخدمات من مياه شرب وصرف صحي وطرق ومراكز صحية.
لا خلاف على أن بعض هذه المشروعات حسّن بالفعل من البنية الأساسية في قرى ومراكز عديدة.
لكن السؤال الذي يطرحه خبراء ومراقبون:
- ما حجم الاستفادة المباشرة مقارنة بحجم الدين العام الذي تم تضخيمه لتمويل هذه المشروعات؟
- هل تمت دراسات جدوى شفافة تحدد الأولويات والعائد الاجتماعي؟
- وهل جرى إشراك المجتمعات المحلية في تحديد ما تحتاجه فعلًا؟
في الوقت نفسه، لا تزال الأسر تواجه:
- اكتظاظ الفصول في المدارس الحكومية.
- نقص الأطباء والتمريض في وحدات الصحة العامة.
- قوائم انتظار للعمليات والعلاج.
- أعطال متكررة في شبكات المياه والكهرباء في بعض المناطق.
هذا التناقض بين صورة “المشروعات العملاقة” التي تُعرض في المؤتمرات، وبين تجربة المواطن مع المدرسة والمستشفى والكمّالة والمايكروباص، هو ما يغذي شعورًا متزايدًا بأن الخطاب الرسمي منفصل عن الواقع.
خلاصة: أزمة أرقام أم أزمة ثقة وأولويات؟
تصريحات مصطفى مدبولي عن تحسن الاقتصاد ليست مجرد جملة سياسية؛ هي جزء من سردية تحاول إقناع الداخل والخارج بأن الأزمة تحت السيطرة.
لكن حين ينظر المواطن إلى:
سعر كيلو اللحمة، فاتورة الكهرباء، مصروفات المدرسة، وتذكرة المواصلات، يجد أن شعور “التحسن” لا يصل إلى حياته اليومية.
آراء خبراء مثل عالية المهدي وزياد بهاء الدين تلتقي عند نقطة جوهرية:
المؤشرات الكلية يمكن أن تتحسن، لكن دون تغيير عميق في هيكل الإنفاق، وعدالة التوزيع، وأولوية الصحة والتعليم، وحماية الفئات الأضعف، سيظل “التحسن” حبيس العروض الرسمية، لا واقعًا في حياة الناس.
الأزمة إذن ليست أزمة أرقام فقط، بل أزمة ثقة وأولويات:
ثقة تآكلت بفعل فجوة بين الوعد والواقع، وأولويات ما زالت تميل للمشروعات العملاقة وخدمة الديون، أكثر مما تميل لبناء مدرسة محترمة، ومستشفى لائق، وسوق منضبط، وراتب يكفي آخر الشهر.

