منذ 2022، قفزت أسعار وحدات الإسكان الاجتماعي لمنخفضي الدخل من حوالي 310 آلاف جنيه، إلى ما بين 700 ألف في طرح "سكن لكل المصريين 5"، ثم إلى 850–900 ألف جنيه في الإعلان الأخير "سكن لكل المصريين 7"، بخلاف وديعة الصيانة ونسبة الفائدة على التمويل العقاري. بالتوازي، رُفعت فوائد مبادرات التمويل لمحدودي ومتوسطي الدخل من 3% و8% متناقصة إلى 8% و12% متناقصة؛ أي أن تكلفة خدمة الدين نفسها تضاعفت تقريبًا على بعض الشرائح.
خبير التمويل العقاري إيهاب عمر يوضح في تصريحات منشورة أن سوق التمويل العقاري في مصر ما زال يمثل نحو 0.3% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنسب تصل إلى 40% في دول أخرى، ويربط ذلك بضعف دخول الأفراد وارتفاع معدلات التضخم، ما يجعل كثيرين غير مؤهلين فعليًا للحصول على تمويل طويل الأجل، أو عاجزين عن تحمّل أقساط مرتفعة لعقود طويلة.
هذا التشوه ينعكس مباشرة على مشروع الإسكان الاجتماعي: الدولة تعلن عن مبادرات تمويل "مدعومة"، بينما الواقع أن ارتفاع الفائدة يقلص الشريحة القادرة على الاستفادة، خاصة في ظل ضغط نفقات أخرى على الأسرة، من غذاء ومواصلات وتعليم، بعد موجات متتالية من التضخم.
الخبير العقاري عبد المجيد جادو يشير في تحليلاته إلى أن سوق العقارات ككل يعاني حالة ركود مرتبطة بتآكل دخول الأفراد وارتفاع تكلفة البناء، ويحذر من مخاطر الأقساط الطويلة التي قد تتجاوز قدرة المطور أو المشتري على الاستمرار إذا تغيرت التكاليف أو فقدت العملة جزءًا إضافيًا من قيمتها. هذا التحذير يصبح أكثر خطورة حين يكون "المشتري" من محدودي الدخل، لا من شرائح عليا تستطيع امتصاص الصدمات.
على الجانب الآخر، يلفت الخبير الاقتصادي وائل النحاس إلى أن دخول الحكومة، ممثَّلة في وزارة الإسكان، سوق الإسكان الفاخر بأهداف ربحية ضاغطة، ساهم في دفع الأسعار لأعلى بدلًا من كبحها، لأن الوزارة تعمل عبر شركات مقاولات تبحث عن هامش ربح، والدولة نفسها تتعامل مع الوحدات كمصدر إيراد. هذا المنطق، حين يمتد إلى مشاريع "سكن لكل المصريين"، يدفع التسعير بعيدًا عن طاقة الفئات المستهدفة، ويحوِّل الدعم إلى شعار أكثر منه واقعًا.
من “مخزن للقيمة” إلى عبء تمويلي على محدودي الدخل
بحسب الزعفراني، لجأ كثير من المواطنين في الطروحات السابقة إلى حجز شقق الدولة باعتبارها أصلًا مدعومًا ورخيصًا نسبيًا يمكن إعادة بيعه أو تأجيره بعد فترة، وهو ما يفسر بقاء نسبة غير قليلة من الوحدات المسلَّمة شاغرة بالفعل. مع تشديد حملات التفتيش وتهديد المخالفين بسحب الوحدات، تراجعت جاذبية هذا الاستخدام الاستثماري، ولم يتبقَّ إلا الطلب الحقيقي للسكن، وهو أضعف بطبيعته بسبب مستوى الدخول.
مصدر بصندوق تمويل الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري يربط بين ضعف الإقبال في مشروعات الإسكان الأخضر في السادات والعاشر من رمضان وبين فارق سعر يصل إلى نحو 50 ألف جنيه مقارنة بالوحدات التقليدية، رغم أن المواصفات متقاربة. يضيف أن جزءًا من الإحجام عن التقديم في 15 مايو هذه المرة يعود لتوقعات المواطنين بأن فرصهم في الفوز ضعيفة، في ظل تجارب سابقة شهدت طلبًا يفوق العرض بأضعاف.
في المقابل، تظل مدن مثل حدائق العاصمة وحدائق أكتوبر الأكثر جذبًا؛ إذ تقدم نحو 70 ألف مواطن لحجز قرابة 9500 وحدة، بمعدل تنافس يصل إلى 7 متقدمين على كل وحدة، تليهما العاشر من رمضان والعبور بمعدل 3 متقدمين لكل وحدة تقريبًا، ثم بدر وأكتوبر الجديدة بمعدل 1.4 طلب لكل وحدة. الصورة هنا مركبة: فائض وحدات في مدن بعينها، واكتظاظ طلب في مدن أخرى، مع عامل حاسم هو موقع العمل وفرص الدخل لا مجرد سعر الشقة على الورق.
في ضوء هذه المعطيات، يرى خبراء العقار أن استمرار رفع الأسعار وترك الفائدة عند مستوياتها الحالية يهددان بتحويل "سكن لكل المصريين" إلى منتج لشرائح أقدر ماليًا، بينما يخرج محدودو الدخل خارج المعادلة، أو يُدفَعون إلى أقساط خانقة لعقود طويلة.
تحذيرات إيهاب عمر من محدودية قدرة الأسر على تحمل أقساط مرتفعة، وملاحظات عبد المجيد جادو حول مخاطر الأقساط الطويلة، وقراءة وائل النحاس لطبيعة تسعير الدولة لوحداتها، مع تشخيص عباس الزعفراني لارتفاع الأسعار كعامل رئيسي في ضعف الإقبال؛ كلها تشير إلى خلاصة واحدة:
من دون مراجعة جذرية للتسعير، وإعادة تصميم دعم الفائدة، وربط المعروض الفعلي بالقدرة الحقيقية على السداد، سيظل الفائض في بعض المدن يقابله عجز اجتماعي حقيقي في توفير سكن ميسَّر للفئة التي حمل المشروع اسمها: محدودو الدخل.

