يدخل قطاع الحلويات في مصر موسم رمضان هذا العام تحت ضغط متزايد من ارتفاع تكاليف الإنتاج، وسط تخوف حقيقي من أن أي زيادات جديدة في الأسعار قد تصطدم بجدار قدرة الأسر المنهكة اقتصاديًا.
السكر والمكسرات والإيجارات والأجور وتكاليف الطاقة؛ كلها عناصر تشعل فاتورة التكلفة، بينما يحاول أصحاب المحال المناورة بين تمرير جزء من الزيادات إلى المستهلك، وعدم خسارة موسمهم الأهم الذي تعتمد عليه مئات الورش والمصانع لتغطية فترات الركود طوال العام.
سكر ومكسرات.. مدخلات ملتهبة وهوامش أرباح مضغوطة
رئيس شعبة الحلويات باتحاد الغرف التجارية، مدحت الفيومي، يؤكد أن تأثير ارتفاع أسعار السكر على أسعار الحلويات في رمضان سيكون “محدودًا نسبيًا”، لأن كثيرًا من المحال استعدت للموسم مبكرًا ودبّرت احتياجاتها قبل موجة الزيادات الأخيرة. لكنه يقر في الوقت نفسه بأن السكر والمكسرات خامات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، وأي زيادة فيها تنعكس مباشرة على التكلفة.
الأسعار في السوق تعكس الصورة بوضوح؛
سعر طن السكر يتراوح بين 25 و27 ألف جنيه، وسعر الكيلو للمستهلك يدور بين 27 و29 جنيهًا، بعد أن كان قد تجاوز 60 جنيهًا في ذروة أزمة نهاية 2023 وبدايات 2024.
رئيس شعبة السكر والحلوى بغرفة الصناعات الغذائية، حسن الفندي، يرى أن الزيادات الأخيرة “لا تعكس واقع المعروض”، مشيرًا إلى مخزون يكفي نحو 9 أشهر، مع ترقب دخول إنتاج جديد من سكر البنجر، وكان يفترض ـ من وجهة نظره ـ أن يؤدي ذلك إلى استقرار الأسعار أو تراجعها، لا ارتفاعها في بعض السلاسل التجارية.
في المقابل، يلفت الفيومي إلى أن السكر ليس العامل الوحيد؛ أسعار البندق والفستق والكاجو ارتفعت بشكل ملحوظ في الشهور الماضية، وهذه مكونات رئيسية في كثير من أصناف الحلويات الرمضانية، ما يعني أن ضغوط التكلفة أكبر بكثير من مجرد بند السكر.
في هذا السياق، يشير الخبير في صناعة الغذاء أشرف الجزايرلي، الرئيس السابق لغرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات، في تصريحات صحفية سابقة، إلى أن موجات ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج عالميًا (من زيوت وسكر وحبوب) تضرب الصناعات الغذائية المحلية مباشرة، خاصة في ظل ضعف قدرة الشركات على امتصاص الزيادات بسبب تآكل القوة الشرائية للمستهلكين. هذه المعادلة تنطبق حرفيًا على حلويات رمضان: تكلفة ترتفع، وسوق لا يتحمل كامل الفاتورة.
زيادات محسوبة.. ومخاوف من كسر الموسم
بين سيناريو رفع الأسعار بقوة، وخطر تراجع المبيعات، يحاول المنتجون لعب “مباراة توازن” حساسة.
الفيومي يتوقع أن تشهد المحال الشعبية والمتوسطة زيادات بين 5% و10% كحد أقصى، لاستيعاب جزء من زيادة السكر والمكسرات، مع الحفاظ على حركة البيع.
أما المحال ذات العلامات التجارية الشهيرة والأغلى سعرًا، فيرجّح أن تصل الزيادة لديها إلى 20% دون قلق كبير على المبيعات، لأن شريحتها المستهدفة أعلى دخلًا وأقل حساسية للسعر.
مسؤول في محلات “سدرة” للحلويات يؤكد أن الزيادات الطفيفة في أسعار السكر لم تُترجَم حتى الآن إلى زيادات كبيرة في أسعار المنتجات، وأن أي تحريك للأسعار لن يتجاوز 5%، موضحًا أن الضغط الأكبر يأتي من ارتفاع الإيجارات وتكاليف العمالة والمرتبات.
المعادلة هنا واضحة: السكر بند من بنود، لكن شبكة تكاليف الإنتاج كاملة تتعرض للضغط.
مسؤول مبيعات في محلات “توماس” للحلويات يضيف زاوية أخرى؛ المنافسة بين المحلات الكبرى، خاصة في رمضان، تجبر الجميع على الحذر في تسعير المنتجات، لأن المستهلك أصبح يقارن بدقة بين الأسعار والعروض، وأي زيادة مبالغ فيها قد تدفعه إلى بدائل أرخص أو تقليل الكميات.
الخبير الاقتصادي المتخصص في قطاع الأغذية، هاني برزي، رئيس شركة “إيديتا” للصناعات الغذائية، كان قد حذر في تصريحات إعلامية من أن السوق وصل إلى “منطقة حساسة” لم يعد فيها رفع الأسعار قرارًا سهلًا، لأن دخول المصريين لم تعد تتحمل موجات الغلاء المتتالية، ما يدفع الشركات إلى إعادة النظر في أحجام العبوات، أو تقديم منتجات أقل وزنًا بنفس السعر، بدل رفع السعر ظاهرًا، وهي حيلة باتت واضحة في عدة قطاعات غذائية، ويمكن أن تمتد إلى قطاع الحلويات الرمضانية أيضًا.
رمضان.. موسم ذهبـي مهدد بتآكل القدرة الشرائية
رغم كل العقبات، يظل رمضان “الموسم الذهبي” لقطاع الحلويات في مصر.
الفيومي يقدّر أن مبيعات الحلويات في هذا الشهر ترتفع بنحو ثلاثة أمثال الأشهر العادية؛ الأسرة التي تشتري حلويات مرة أو مرتين في الشهر طوال العام، قد تشتري يوميًا في رمضان، ولو بكميات صغيرة مثل نصف كيلو كنافة أو قطايف.
طبيعة الطلب نفسها تتغير داخل الشهر؛ النصف الأول يشهد ذروة الإقبال على الحلويات الشرقية التقليدية: كنافة، قطايف، بلح الشام، بقلاوة، وفي النصف الثاني، يبدأ منحنى الطلب في التحول تدريجيًا نحو كعك وبسكويت وبيتي فور العيد، لتدخل المصانع والمخابز في موسم ثانٍ متداخل مع رمضان.
مسؤول مبيعات في “سدرة” يؤكد أن شهر رمضان يمثل موسمًا استثنائيًا لا يُعوَّض، وأن بعض المحال تعتمد عليه لتغطية فترات الركود باقي العام، ما يخلق منافسة شرسة على تقديم “ترندات” جديدة في الأصناف، وعروض أسعار لجذب الزبائن.
مسؤول في محلات “قويدر” يشير إلى أن الطلب يتضاعف أكثر من 3 مرات في بعض الفروع خلال رمضان، وهو ما يفرض استعدادًا خاصًا على مستوى العمالة والخامات وسلاسل التوريد.
في المقابل، يلفت خبير الاقتصاد الغذائي مجدي عبد العزيز (أستاذ الاقتصاد الزراعي سابقًا) في تحليلات منشورة، إلى أن “مواسم الاستهلاك المرتفع” مثل رمضان أصبحت تكشف الفجوة بين السلوك الاستهلاكي التقليدي للمصريين، وبين واقع دخول لم تعد تواكب الأسعار؛ فإما أن تلجأ الأسر إلى تخفيض الكميات أو الاستعاضة عن الحلويات الجاهزة بالتحضير المنزلي، أو تتحمل أعباء إضافية على حساب بنود أخرى أكثر أولوية.
الخبير في سلاسل الإمداد الغذائية أحمد شيحة يرى أن استمرار ارتفاع أسعار السكر والمكسرات والوقود يعني أن قطاع الحلويات سيتحوّل تدريجيًا إلى “منتج رفاهية” لشرائح محددة، بدل أن يكون جزءًا من طقس اجتماعي واسع كما كان في السابق، خاصة إذا استمرت سياسات التسعير الحكومية في رفع تكاليف الطاقة والنقل، ما ينعكس على كل منتج يحتاج إلى فرن أو تبريد أو نقل لمسافات طويلة.
في النهاية، يدخل قطاع الحلويات رمضان هذا العام على حبل مشدود: تكلفة تتصاعد، سوق متعبة، موسم لا يحتمل الفشل.
أصحاب المحال يحاولون تمرير أقل زيادة ممكنة دون خسارة الزبون، والمستهلك يحاول الحفاظ على طقس “حلو بعد الفطار” دون أن يختنق تحت وطأة الفاتورة.
ما سيحكم النتيجة في الأسابيع المقبلة ليس فقط سعر السكر أو الكاجو، بل قدرة جيوب المصريين المنهكة على تحمّل “رفاهية صغيرة” باتت هي الأخرى مهددة بأن تتحول إلى حلم موسمي لصالح قلة قادرة، بدل أن تبقى جزءًا من ذاكرة رمضان الجمعية لكل بيت.

