جدّد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان تمسكه بخيار الحسم العسكري في مواجهة قوات الدعم السريع، مؤكدًا أن ما يصفه بـ“معركة الكرامة” لن تنتهي إلا بـ“تطهير البلاد من المرتزقة والعملاء” واستعادة كل الأراضي التي تسيطر عليها تلك القوات.

 

رسالة البرهان، التي جاءت في كلمة خلال تقديمه العزاء في اللواء معاوية حمد، تعكس إصرار قيادة الجيش على مواصلة الحرب المفتوحة المستمرة منذ أبريل 2023، في وقت يعيش فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وسط تآكل مستمر لمؤسسات الدولة واتساع رقعة النزوح والانهيار الاقتصادي.

 

“معركة الكرامة”.. خطاب تعبوي في ظل حرب طويلة

 

البرهان استغل مراسم العزاء في اللواء معاوية حمد، قائد “الفرقة 22 مشاة بابنوسة”، ليعيد التأكيد على أن المعركة مع قوات الدعم السريع ليست معركة عابرة، بل “معركة كرامة” هدفها ـ بحسب تعبيره ـ الدفاع عن وحدة السودان وعزته.

 

أشاد بما وصفه بـ“تضحيات الشهداء”، مؤكّدًا أن دماء اللواء حمد وزملائه “لن تذهب هدرًا”، وأن القيادة العسكرية “مُلتزمة بالوفاء بالعهد لدماء الشهداء”، في محاولة لرفع معنويات القوات النظامية وسكان المناطق التي ما زالت تحت سيطرة الجيش.

 

مقتل اللواء معاوية حمد في معارك بابنوسة، التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع في ديسمبر 2025، يرمز إلى طبيعة الحرب الدائرة؛ معارك كرّ وفرّ على مدن استراتيجية، تُستنزف فيها القيادات الميدانية وأعداد كبيرة من الجنود والمدنيين، دون أن يلوح في الأفق حسم قريب لأي طرف.

 

خطاب البرهان ركّز على أن العمليات العسكرية ستستمر حتى “انتهاء التمرد” واستعادة كل الأراضي التي تعتبرها القيادة العسكرية “محتلة” من قبل الدعم السريع، وهو ما يؤكد أن خيار التسوية السياسية ما زال بعيدًا عن أولويات رأس السلطة العسكرية في الخرطوم.

 

جبهات مشتعلة في كردفان ودارفور.. وسكان يدفعون الثمن

 

حديث البرهان عن استعادة “كافة الأراضي” يأتي في وقت تتواصل فيه الاشتباكات في ولايات كردفان الثلاث (شمال، وغرب، وجنوب)، إضافة إلى إقليم دارفور، حيث تتداخل خطوط السيطرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، ومعها مجموعات مسلحة محلية وقبلية.

 

كردفان تمثل شريانًا مهمًا في خريطة الصراع، بحكم موقعها بين الوسط والغرب، وارتباطها بخطوط إمداد وطرق رئيسية، ما يجعل أي مدينة تسقط فيها هدفًا ذا قيمة لكل طرف.

 

بابنوسة، التي شهدت مقتل اللواء معاوية، نموذج لهذا النمط من المدن ذات الوزن العسكري واللوجستي.

 

في دارفور، يتضاعف المشهد تعقيدًا، مع تقارير عن انتهاكات واسعة ضد المدنيين، وعمليات تهجير قسري، واستهداف على أساس عرقي أو قبلي في بعض المناطق، في ظل ضعف أو غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة، وانهيار منظومة الأمن والقضاء والخدمات.

 

وسط هذه الجبهات المشتعلة، يعيش ملايين السودانيين تحت وطأة واقع يومي قاسٍ:

 

نزوح داخلي متكرر، فقدان مصادر الدخل، نقص حاد في الغذاء والدواء، وانقطاع الخدمات الأساسية في مدن وأرياف كاملة.

 

في هذا الواقع، تبدو شعارات “معركة الكرامة” بعيدة عن هموم الناس الذين يبحثون عن ماء آمن أو سقف يقيهم القصف، أكثر من بحثهم عن انتصار عسكري لطرف على آخر.

 

حرب منذ أبريل 2023.. كارثة إنسانية بلا أفق سياسي

 

الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع اندلعت في أبريل 2023، على خلفية خلاف حول دمج قوات الدعم داخل المؤسسة العسكرية، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى صراع على السلطة والنفوذ، وانهارت معها العملية الانتقالية التي كان يُفترض أن تقود إلى حكم مدني.

 

منذ ذلك الحين، يدفع السودان ثمنًا باهظًا.

 

عشرات الآلاف قُتلوا في المعارك والقصف والانتهاكات، وفق تقديرات أممية ومنظمات دولية، في حين اقترب عدد النازحين واللاجئين من نحو 13 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، ليصبح السودان واحدة من أكبر بؤر النزوح في العالم.

 

تصف تقارير الأمم المتحدة الصراع السوداني بأنه من بين أسوأ الأزمات الإنسانية الراهنة، مع تزايد معدلات الجوع وسوء التغذية، وتهديدات بانزلاق مناطق واسعة إلى مجاعة، إلى جانب انهيار قطاعات التعليم والصحة، وتوقف جزئي أو كامل لمؤسسات الدولة في مدن عديدة.

 

ورغم هذه الصورة الكارثية، لا تزال لغة الخطاب الرسمي، سواء من جانب البرهان أو من قيادات الدعم السريع، تقوم على منطق “الحسم” و“إنهاء الطرف الآخر”، بدل الاعتراف بحقيقة أن استمرار الحرب يعني استمرار انهيار الدولة والمجتمع، وأن أي انتصار عسكري لن يكون أكثر من ركام فوق ركام.

 

في ظل غياب وقف إطلاق نار مستقر، وتعثّر الوساطات الإقليمية والدولية، يبقى السودان عالقًا في حرب استنزاف طويلة.

 

حديث البرهان عن “معركة الكرامة” قد يعبّئ بعض الأنصار، لكنه لا يقدّم للسودانيين جوابًا على سؤالهم الأهم: متى تتوقف هذه الحرب، وكيف يمكن إنقاذ ما تبقى من بلد يتآكل كل يوم، بينما تتقدّم لغة السلاح على حساب أي أفق لحل سياسي شامل يوقف النزيف ويعيد بناء الدولة على أسس جديدة؟