تتسارع وتيرة التدهور الإنساني في السودان مع اتساع رقعة المعارك وتصاعد الهجمات الجوية والطائرات المسيّرة في ولايات كردفان ودارفور والنيل الأزرق، وسط تحذيرات أممية ودولية من كارثة إنسانية متفاقمة تهدد ملايين المدنيين.
وفي ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المدعومة من الامارات منذ أبريل 2023، تتزايد أعداد النازحين والضحايا، فيما تتعرض البنية التحتية المدنية والإنسانية لضربات متكررة، ما يعمّق أزمة الغذاء والصحة ويعطّل وصول المساعدات.
تحذيرات أممية من موجة نزوح متصاعدة
حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من أن تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة في إقليم كردفان أدى إلى تفاقم النزوح وتعريض المدنيين والمنشآت الحيوية لمخاطر جسيمة. وأكد أن أكثر من 115 ألف شخص نزحوا من ولايات كردفان منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في مؤشر إلى تسارع مقلق في وتيرة التهجير القسري.
وأشار المكتب الأممي إلى أن الغارات الأخيرة استهدفت مرافق عامة وإنسانية، داعياً أطراف النزاع إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية بسرعة وأمان ومن دون عوائق، في وقت تواجه فيه منظمات الإغاثة صعوبات متزايدة للوصول إلى المحتاجين.
استهداف مدنيين ومرافق حيوية
تشير تقارير ميدانية إلى سقوط قتلى وجرحى في عدة مناطق جراء ضربات بطائرات مسيّرة وقصف صاروخي. ففي مدينة الرهد بشمال كردفان، أسفرت غارة عن مقتل طفلين وإصابة 13 آخرين من طلاب تحفيظ القرآن داخل مسجد، بينما تعرّض مستودع تابع لبرنامج الأغذية العالمي في كادقلي لقصف ألحق أضراراً كبيرة بمخزون الإغاثة.
كما طالت الهجمات مدرسة ابتدائية في الدلنج، ومناطق سكنية في زالنجي بوسط دارفور، إلى جانب أحياء مدنية في كادوقلي والكرمك. وتتهم السلطات السودانية ومنظمات حقوقية قوات الدعم السريع بالمسؤولية عن استهداف المدنيين والمنشآت الإنسانية، وهو ما تنفيه الأخيرة، مؤكدة أنها تعمل على “حماية المدنيين”.
طرق النزوح تتحول إلى “مصائد موت”
في ظل اشتداد المعارك، باتت طرق النزوح نفسها تشكّل خطراً على الفارين من القتال. وتشير شهادات منظمات إنسانية إلى أن النازحين يتعرضون للقتل والاعتقال والابتزاز أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق آمنة، فيما تحولت بعض الطرق إلى كمائن مسلحة. وتحدث ناجون عن مسيرات شاقة استمرت أياماً تحت درجات حرارة مرتفعة، مع نقص حاد في المياه والغذاء.
وتؤكد الأمم المتحدة أن ملايين السودانيين نزحوا منذ اندلاع الحرب، بينما قُتل عشرات الآلاف، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً. كما حذرت منظمات دولية من انتشار المجاعة في مناطق بشمال دارفور، في ظل انهيار الخدمات الصحية وتعطّل سلاسل الإمداد.
النظام الصحي والغذائي تحت الضغط
أفادت منظمة الصحة العالمية بتعرض منشآت صحية لهجمات جديدة في جنوب كردفان، ما يزيد الضغط على نظام صحي هشّ أصلاً. كما أدانت جهات دولية عدة استهداف قوافل مساعدات ومستشفيات، في وقت يعاني فيه ملايين السكان من نقص الغذاء والمياه النظيفة والدواء.
وفي مخيمات النزوح، يواجه السكان ظروفاً قاسية، حيث تسبّب حريق ضخم في أحد مخيمات شمال دارفور بتشريد مئات الأسر وتدمير مئات المنازل، بينما لا تغطي المساعدات المتاحة سوى نسبة ضئيلة من الاحتياجات.
دعوات دولية لوقف التصعيد
أعربت “اللجنة الخماسية” بشأن السودان، التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي ومنظمة إيغاد، عن قلقها العميق إزاء التصعيد العسكري وتدهور أوضاع المدنيين، داعية إلى وقف فوري للأعمال العدائية واغتنام فرصة اقتراب شهر رمضان للتوصل إلى هدنة إنسانية.
وأكدت اللجنة ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، ووقف تدفق الأسلحة والمقاتلين، وتهيئة الظروف لحوار سياسي شامل ينهي الحرب ويحافظ على وحدة السودان.
تحركات سياسية ومواقف متباينة
على الصعيد السياسي، يلوح احتمال إنهاء تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي بعد دعوة وزير الخارجية السوداني للمشاركة في اجتماع مجلس السلم والأمن بأديس أبابا، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على تحول محتمل في موقف الاتحاد.
وأكد وزير الخارجية السوداني أن الحرب “شارفت على نهايتها” وأن الحكومة تسعى لتحقيق السلام، مشيراً إلى تدخلات خارجية ساهمت في تأجيج الصراع. في المقابل، تعهّد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بمواصلة القتال حتى “استعادة جميع الأراضي”، في تصريحات تعكس استمرار النهج العسكري.
حصيلة إنسانية ثقيلة
مع استمرار القتال وتوسع رقعة النزوح، يواجه السودان أزمة متعددة الأبعاد تشمل الأمن الغذائي والصحة والحماية الإنسانية. وتؤكد بيانات دولية أن نحو 13 مليون شخص نزحوا داخلياً أو عبر الحدود، بينما تتسع دائرة المجاعة والمرض والفقر.
وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات الدولية والإقليمية لوقف التصعيد وفتح ممرات آمنة للمساعدات، خشية أن ينزلق السودان إلى مرحلة أكثر خطورة من الانهيار الإنساني، في وقت يترقب فيه ملايين المدنيين أي بادرة أمل تنهي واحدة من أعنف الحروب في تاريخ البلاد الحديث.

