مع اقتراب شهر رمضان، تتجه الأنظار إلى الأسواق أكثر من المساجد. فبينما تتحدث الحكومة عن معارض تخفيضات ورقابة على الأسعار، يواجه ملايين المصريين واقعًا مختلفًا: دخول ثابتة تآكلت بفعل التضخم، وفواتير وخدمات تتصاعد، وسلة غذاء رمضان التي تتحول تدريجيًا إلى عبء ثقيل لا تحتمله ميزانية الأسرة المتوسطة والفقيرة.
تشير تقديرات رسمية سابقة إلى أن إنفاق المصريين على الطعام والشراب في رمضان تجاوز 100 مليار جنيه في بعض المواسم، أي ما يعادل عدة أضعاف متوسط الإنفاق الشهري في باقي شهور العام.
وبينما تحاول الدولة توظيف هذه القوة الشرائية عبر معارض «أهلا رمضان» والمجمعات الاستهلاكية، يؤكد خبراء أن هذه الأدوات باتت أقل قدرة على تعويض فقدان القوة الشرائية، في ظل قفزات متتالية في الأسعار وتكلفة الخدمات الأساسية.
إنفاق ضخم وسلع تقفز أسعارها
البيانات الرسمية ومواد الرصد السوقي تظهر أن استهلاك السلع الغذائية في الشهور العادية يدور بين 10 و12 مليار جنيه شهريًا، لكنه يقفز بقوة قبيل رمضان وخلاله، مدفوعًا بزيادة الطلب على اللحوم والزيوت والحبوب والياميش.
في المقابل، شهدت أسعار عدد من السلع الرمضانية زيادات حادة في السنوات الأخيرة.
تقارير صحفية تحدثت عن ارتفاعات وصلت إلى نحو 70% في بعض أصناف ياميش رمضان ومكسراته في موسم 2024 مقارنة بالعام السابق، مع تفاوت بين الأحياء الشعبية والسلاسل التجارية الكبرى.
عبد الفتاح رجب العطار، عضو مجلس إدارة غرفة القاهرة التجارية ورئيس شعبة العطارة، يؤكد أن 70% من مستلزمات رمضان لا تزال مستوردة، ما يجعل أسعارها شديدة الحساسية لتغيرات سعر الصرف وتكلفة الاستيراد.
ورغم حديثه عن تراجع نسبي في أسعار بعض الأصناف هذا العام بنسبة تصل إلى 20% مقارنة بالعام الماضي، يظل المستوى العام للأسعار مرتفعًا بالنسبة لشرائح واسعة من المستهلكين، خاصة أن هذه التراجعات تأتي بعد موجات متتالية من الزيادات.
هذا التناقض بين «وفرة السلع» و«عجز الجيوب» ينعكس في حالة الأسواق؛ فالعرض موجود، لكن الإقبال أقل من المعتاد، أو يتجه إلى بدائل أرخص وأقل جودة، مع تقليص واضح في أنواع وكميات المشتريات لكل أسرة.
تخفيضات «أهلا رمضان».. مسكن مؤقت لا يعالج أصل الأزمة
الحكومة تراهن على معارض «أهلا رمضان» والمجمعات الاستهلاكية كأداة رئيسية لمواجهة الغلاء، مع الإعلان عن تخفيضات بين 15 و25% على عدد من السلع، والتوسع في إقامة الشوادر والمعارض في المحافظات.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل تكفي هذه التخفيضات في ظل تضخم مزمن وتآكل مستمر لقيمة الجنيه؟
الخبير الاقتصادي د. عبد النبي عبد المطلب يرى أن المشكلة لم تعد في توافر السلع وحدها، بل في قدرة المواطنين على الشراء.
ويشير إلى أن مواسم سابقة شهدت وفرة في المعروض، لكنها صاحبتها «قدرات شرائية متراجعة»، وأن معارض «أهلا رمضان» نفسها أصبحت تُقام في نطاق أضيق مما كانت عليه قبل سنوات، مع تراجع واضح في الزحام مقارنة بالماضي.
هذا التقييم يتقاطع مع تحليلات أخرى ترى أن تخفيضات 15–25% تبدو محدودة إذا قورنت بزيادات أوسع في تكاليف الحياة.
فالمواطن لا يواجه فقط سعر كيلو الأرز أو الزيت، بل يواجه أيضًا فواتير كهرباء ومياه وإيجارات نقلت جزءًا كبيرًا من دخله خارج بند الطعام.
تقارير اقتصادية تشير إلى أن التضخم السنوي لا يزال يدور حول 11–12% في المدن، رغم تراجعه عن ذروته السابقة، ما يعني استمرار الضغط على مستوى المعيشة.
من زاوية أخرى، يحذر خبراء من أن التركيز على الحلول الموسمية – كالمعارض المؤقتة قبيل رمضان – يخلق انطباعًا بحلول عاجلة، لكنه لا يعالج جذور الأزمة المرتبطة ببنية الأجور، وسياسات الضرائب غير المباشرة، واعتماد كبير على الاستيراد في سلع غذائية أساسية.
الطبقة المتوسطة تحت الضغط.. والبيانات الرسمية لا تقنع الشارع
الأثر الأعمق لأزمة الأسعار يظهر في وضع الطبقة المتوسطة، التي كانت تاريخيًا الأكثر إنفاقًا في مواسم رمضان.
د. هاني توفيق، الخبير في شؤون الاستثمار والاقتصاد، يذهب إلى أن «الطبقة المتوسطة انهارت بصورة غير متوقعة» تحت ضغط الغلاء وارتفاع أعباء الحياة والضرائب، في حين تتحرك الأجور بوتيرة أبطأ بكثير من الأسعار.
ويؤكد أن سلعًا كانت أساسية لهذه الشريحة أصبحت تُعامل اليوم كسلع رفاهية، وهو ما ينعكس مباشرة على أنماط الاستهلاك في رمضان وغيره.
هذا التوصيف يفسر تغير سلوك الأسر: تقليص العزومات، استبدال اللحوم الحمراء بالدواجن أو تقليل الكميات، والاستغناء عن جزء كبير من «ياميش رمضان» والمكسرات لصالح أولويات أكثر إلحاحًا. الشكوى المتكررة أصبحت: «المرتب لا يصل لنصف الشهر»، ومعها تتراجع قدرة رمضان كموسم «فرح اجتماعي» لصالح كونه موسم ضغط إضافي على الميزانية.
في الوقت نفسه، يطرح د. رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، سؤالًا مباشرًا عن مصداقية الأرقام الرسمية مقارنة بما يراه المواطن في السوق.
فهو يتساءل عن جدوى الحديث عن تراجع محدود في نسب التضخم بينما لا يلمس الشارع أي انخفاض حقيقي في كلفة المعيشة، محذرًا من فجوة ثقة بين البيانات والواقع إذا لم تُترجم الأرقام إلى أسعار يمكن للمواطن تحملها.
ويذهب اقتصاديون إلى أن أي زيادات جديدة في الأجور – إن أقرت – قد تتحول سريعًا إلى موجة ارتفاع أسعار أخرى، إذا لم تُصاحبها رقابة فعالة على الأسواق، وهو ما حذر منه رشاد عبده نفسه، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من أي زيادات سيتحول تلقائيًا إلى أرباح لدى التجار في ظل ضعف أدوات الضبط الحالية.
بين «ثقافة الاستهلاك» ومسؤولية السياسات
لا ينكر بعض الخبراء أن جزءًا من المشكلة يرتبط بعادات استهلاكية توسعية في رمضان، سواء في الإسراف على موائد الإفطار أو المبالغة في شراء ما يفوق الحاجة.
لكنهم يشددون في الوقت نفسه على أن تحميل الأزمة للمستهلك وحده يتجاهل أثر تعويمات العملة، وارتفاع أسعار الطاقة والضرائب غير المباشرة، وضعف المنافسة في قطاعات بعينها.
النتيجة أن الأسرة المصرية تجد نفسها حاليًا بين كماشتين: ضرورة الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس الشهر الكريم، ومحدودية حادة في الدخل الحقيقي.
وهنا يصبح السؤال المطروح قبيل كل رمضان: هل يمكن للتخفيضات الموسمية والحملات الرقابية أن تعيد التوازن، أم أن المطلوب مراجعة أوسع لسياسات تسعير الطاقة والضرائب والأجور، حتى لا يتحول الموسم الأكثر خصوصية في السنة إلى اختبار قاسٍ لقدرة المواطن على الصمود اقتصاديًا؟

