لم تنتهِ حرب أكتوبر بوقف إطلاق النار واتفاقيات دبلوماسية فحسب، بل انتهت أيضًا بقصص شخصية معقدة تداخلت بين خطوط المواجهة والدبلوماسية السرية.

 

إحدى هذه القصص هي قصة عبد الرحيم قرمان، وهو فلسطيني من عرب 48، والذي حوكم في إسرائيل بتهمة التجسس لصالح مصر، وأُطلق سراحه بموجب اتفاقية فصل القوات في يناير 1974، ليقضي حياة طويلة متنقلًا بين أكثر من بلد حتى عودته متأخرًا إلى إسرائيل.

 

إنها قصة عن الاستخبارات والأيديولوجيا والولاء والهوية المعقدة، كما تعكس التعقيد التاريخي والشخصي الذي عانى منه العديد من عرب 48 في العقود التي تلت قيام دولة إسرائيل، كما يقول موقع "هاي بوه" العبري.

 

فقد تنوعت حياته بين عالم التجارة العائلية في الجليل، وأنشطة التجسس التي أدت إلى سجن طويل، ونفي طويل في الخارج، وأخيرًا صراع قانوني وشخصي على أراضي عائلته التي صودرت على مر السنين.

 

الطفولة، والأسرة وبداية الرحلة

 

وُلد قرمان في أكتوبر عام 1930 في مزرعة عائلته بقرية أبتين قرب حيفا، لعائلة عريقة وذات نفوذ اقتصادي، ويعود الفضل في ذلك بشكل خاص إلى عمه، الحاج طاهر كرمان، الذي عُرف بكونه رجل أعمال بارز في المنطقة، والذي عمل على توطيد العلاقات الاقتصادية، وكان يدعو إلى التعايش والتعاون بين اليهود والعرب.

 

لم تكن الأرض التي تملكها العائلة مجرد مصدر دخل، بل كانت رمزًا للمكانة والتقاليد وجذور العائلة في المنطقة. التحق الشاب كرمان بالمدرسة الثانوية في حيفا، ثم انخرط في عالم التجارة والاقتصاد الذي تديره عائلته، وبدا أن مستقبله سيكون في مجال الأعمال، إلى أن حدث ما غيّر مجرى حياته.

 

العمل مع المخابرات المصرية

 

في عام 1968، وأثناء زيارته لباريس، جُنّد كرمان من قبل المخابرات المصرية. خضع لتدريب سري استمر نحو ستة أشهر في بروكسل، حيث تعلّم أساليب الاتصال السرية، وجمع المعلومات، والتصوير الاستخباراتي. وبعد انتهاء التدريب، عاد إلى إسرائيل حاملاً معه مهام استخباراتية واضحة، وبناءً على تعليمات مُشغّليه، استأجر شقة في منطقة هدار الكرمل بحيفا، حيث كان يُراقب أنشطة ميناء حيفا وتحركات البحرية. واستطاع أن يجمع معلومات وصورًا قبل أن يتم القبض عليه.

 

الاعتقال والمحاكمة

 

في يناير 1970، أُلقي القبض على قرمان في المطار بينما كان في طريقه للسفر إلى لندن للقاء عميله المصري، وخضع لتحقيق ومحاكمة مطولة انتهت بالحكم عليه بالسجن 16 عامًا بتهمة التجسس لصالح "دولة معادية".

 

وفي تلك السنوات، كانت قضية التجسس من أكثر القضايا حساسية في الساحة الأمنية الإسرائيلية، وأثارت محاكمته اهتمامًا جماهيريًا واسعًا.

 

صفقة تبادل الأسرى 

 

وبعد حرب أكتوبر، وكجزء من اتفاقية فصل القوات بين مصر وإسرائيل الموقعة في 18 يناير 1974، تقرر تبادل الأسرى. استعادت إسرائيل مئات الأسرى من الجيش الإسرائيلي، وفي المقابل، نقل إلى مصر 65 أسيرًا فلسطينيًا ومواطنين من عرب 48، من بينهم اثنان أدينا بالتجسس، أحدهما كرمان.

بانتقاله إلى مصر، انتهى فصل سجنه في إسرائيل، وبدأ فصل جديد من حياته خارج وطنه.

 

سنوات المنفى 

 

عاش قرمان في مصر حتى نهاية عام 1979، ثم انتقل إلى أبو ظبي، حيث مكث قرابة عقد من الزمن. بعد ذلك، انتقل إلى باريس. وعلى مر السنين، تقدم بطلبات عديدة للعودة إلى إسرائيل، لكن طلباته قوبلت بالرفض. ولم تتم الموافقة على عودته إلا في مارس 1995، فعاد إلى مزرعة العائلة في أبتين.

 

وعند عودته، اكتشف أن أجزاءً كبيرة من أراضي العائلة قد صودرت في إطار سياسة مصادرة الأراضي التي طبقها الاحتلال في الجليل. ولم تكن هذه خسارة مالية له فحسب، بل كانت أيضًا ضررًا بالغًا لصلة العائلة بالمكان الذي وُلد ونشأ فيه.

 

النضال من أجل استعادة الأراضي

 

فكّر قرمان في رفع دعاوى قضائية للمطالبة بإعادة النظر في إجراءات نزع الملكية والحصول على تعويض مناسب أو استعادة الحقوق. وعلى الرغم من أن هذا النضال لم يُفضِ إلى تغيير جوهري في ملكية الأرض، إلا أنه رمز لرغبته في إعادة جزء من إرث عائلته المفقود خلال سنوات غيابه الطويلة. وأصبحت قضية الأرض بالنسبة له رمزًا لنضال أوسع، نضال من أجل الهوية والذاكرة والانتماء.

 

وفي سنواته الأخيرة، عاش بعيدًا عن الأضواء، وتوفي في مارس 2011 عن عمر ناهز 81 عامًا. ودُفن في مقبرة العائلة قرب المزرعة، على بُعد مسافة قصيرة من قبر عمه، الحاج طاهر قرمان.

 

https://haipo.co.il/item/612878