أعاد الدكتور محمد محسوب، الوزير السابق وأستاذ القانون، فتح ملف استقلال القضاء في مصر، لكن بلهجة أكثر حدة ووضوحًا. في تصريحات ومقالات متتابعة، اعتبر أن تراجع القضاة أمام السلطة التنفيذية لم يعد حالات فردية معزولة، بل تحول إلى ظاهرة عامة تعكس انهيارًا وظيفيًا للسلطة القضائية، التي كان يُفترض أن تمثل خط الدفاع الأخير في مواجهة تغول السلطة. طرح محسوب لا ينطلق من موقف سياسي عابر، بل من قراءة قانونية ووظيفية لدور القضاء، وما آل إليه هذا الدور في السنوات الأخيرة.

 

تراجع القضاة: من حالات فردية إلى ظاهرة عامة

 

في منشور حديث عبر حسابه على منصة “إكس”، كتب محسوب بوضوح أن تراجع القضاة أمام السلطة التنفيذية أصبح تعبيرًا عن “انكسار السلطة القضائية كاملة”، لا مجرد ضعف بعض الأفراد. وأكد أن المجتمع كان يعوّل على القضاء ليكون حاجزًا، أو على الأقل عائقًا، أمام تمدد السلطة التنفيذية بلا رقابة، لكن هذا الدور تآكل تدريجيًا.

 

 

يربط محسوب بين تصاعد النقد الموجه للقضاة، سواء في حياتهم أو بعد وفاتهم، وبين فقدان القضاء لوظيفته الأساسية. فالمسألة، بحسب تحليله، لا تتعلق بأخلاق النقد أو حرمة الموتى، بل بوظيفة القضاء كسلطة عامة. عندما يفشل القضاء في حماية المجتمع من التعسف، يصبح موضع مساءلة اجتماعية وسياسية.

 

ويشير إلى أن كثيرًا من القضاة لا يرضون عما يجري، لكنهم عاجزون عن السير على خطى قضاة سابقين، في ظل تضييق منهجي على أي مساحة للاستقلال، وهو ما يحوّل الصمت إلى ظاهرة، لا موقفًا فرديًا.

 

من مقاومة محدودة إلى خضوع شبه كامل

 

يقارن محسوب بين وضع القضاء في عهد حسني مبارك والوضع الراهن. ورغم إقراره بأن تدخلات السلطة التنفيذية كانت قائمة في عهد مبارك، فإنه يؤكد أن تلك المرحلة شهدت وجود قضاة بارزين أصدروا أحكامًا شجاعة. هذه الأحكام فضحت التعذيب، وألغت قرارات إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري، وتصدت لمحاولات حل البرلمان أو استبعاد أعضائه.

 

هؤلاء القضاة، وفق محسوب، دفعوا ثمن استقلالهم، لكنهم حافظوا على فكرة أن القضاء قادر على المناورة والاعتراض.

 

في المقابل، يرى أن هذه القدرة تآكلت بعد الانقلاب العسكري، نتيجة تغييرات بنيوية داخل المؤسسة القضائية. من بينها، بحسب تحليله، إدخال عناصر من خارج الجسم القضائي، وتفشي الفساد والتوريث، وتعديل آليات التعيين والترقية بما يضمن الولاء.

 

ويحمّل محسوب المحكمة الدستورية العليا دورًا سياسيًا مباشرًا في ما يسميه “الثورة المضادة”، معتبرًا أنها لعبت دورًا حاسمًا في إغلاق المسار الثوري، بينما كان القضاء العادي يمتلك فرصة للالتحاق بالمجتمع، لكنه لم يفعل.

 

كيف ينقذ القضاء نفسه؟ نافذة ضيقة ومسؤولية داخلية

 

في مقالة كتبها محسوب عام 2017 بعنوان “كيف ينقذ القضاء نفسه؟”، اعتبر أن الأحكام التي تحمل عوارًا صارخًا بحق ضحايا القمع ليست أخطاء عادية، بل جزء من عملية منهجية لتحويل القضاء من مؤسسة للشعب إلى أداة بيد السلطة. المقال منشور على موقعي “إخوان ويكي” و“الشرقية أون لاين”، ويمكن الاطلاع عليه عبر الرابط:

 

https://www.ikhwanwiki.org/index.php?title=%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D9%85%D8%AD%D8%B3%D9%88%D8%A8_%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8:_%D9%83%D9%8A%D9%81_%D9%8A%D9%86%D9%82%D8%B0_%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1_%D9%86%D9%81%D8%B3%D9%87%D8%9F

 

في هذه المقالة، يذهب محسوب إلى أن ما يحدث أقرب إلى “تطهير فكري” ضد المعارضة، وأن استخدام القضاء لتغطية القمع يرقى، في بعض صوره، إلى المشاركة في جرائم جسيمة. لكنه، في الوقت نفسه، لا يغلق الباب تمامًا. يشير إلى أن حكم مجلس الدولة في قضية تيران وصنافير مثّل لحظة استعادة مؤقتة لدور القضاء كمؤسسة للمجتمع، قبل أن ترد السلطة بتأميم الهيئات القضائية وتقييد استقلالها.

 

يرى محسوب أن إنقاذ القضاء لا يأتي من السلطة التنفيذية، بل من داخل المؤسسة نفسها. نوادي القضاة، والجمعيات العمومية للمحاكم، ودوائر محكمة النقض، لا تزال تمتلك – نظريًا – أدوات لتصحيح بعض الأحكام المختلة، خاصة في قضايا الإعدام والمؤبد. لكن الشرط الأساسي هو بناء تيار استقلال مهني، يتجاوز الأيديولوجيات، ويركز على مطلب واحد: استقلال القضاء.

 

وأخيرا فإن خلاصة موقف محمد محسوب أن القضاء في مصر يمر بأخطر مراحله. التراجع لم يعد خفيًا، والانكسار لم يعد جزئيًا. السلطة التنفيذية تشعر براحة غير مسبوقة في غياب الرقابة، لكن هذا الوضع، وفق تحذيره، يحمل نذيرًا سيئًا لمستقبل الدولة والمجتمع.

 

استقلال القضاء، كما يكرر محسوب، لا يُمنح بقرار سياسي، بل يُنتزع بالممارسة. وإذا لم يستعد القضاء هذه الروح، فإنه يواجه خطر التحول إلى مؤسسة بلا وظيفة، ومنظومة بلا معنى.