أثار تقرير مطوّل نشرته مجلة The Atlantic الأمريكية بعنوان «سقوط بيت الأسد» موجة واسعة من الجدل، بعدما قدّم رواية جديدة عن كواليس السنوات الأخيرة في قصر بشار الأسد، ووضع المستشارة الإعلامية الراحلة لونا الشبل في قلب هذه الرواية.

 

التقرير، المبني على شهادات منسوبة إلى مسؤولين سابقين في القصر الرئاسي، ومسؤول إسرائيلي سابق، ومصادر مرتبطة بالنظام، يتهم الشبل بأنها كانت على علاقة عاطفية بالأسد، وأنها «تولت ترتيب نساء له، بينهن زوجات ضباط سوريين رفيعي المستوى»، قبل أن تتحول – بحسب الرواية نفسها – إلى «عميلة بحكم الواقع» لروسيا، وتنتهي حياتها في حادث اغتيال غامض قُدِّم رسميًا بوصفه «تصادمًا مروريًا».

 

لكن ما بين رواية المجلة الأمريكية، وقراءة وسائل الإعلام الإقليمية، وغياب أي تعليق رسمي من دمشق أو موسكو، يظل كثير من التفاصيل في خانة الاتهامات غير القابلة للتأكيد حتى الآن، ما يفتح الباب لنقاش أوسع حول دلالات هذه التسريبات وحدود الموثوقية فيها.

 

ماذا تقول رواية «ذا أتلانتيك» عن لونا الشبل وقصر الأسد؟

 

في القسم المتعلق بالحياة الداخلية للقصر، يصوّر تقرير The Atlantic بشار الأسد كرئيس «منفصل عن الواقع»، يقضي وقتًا طويلاً في ألعاب الهاتف مثل «كاندي كراش»، بينما يثق بدائرة ضيقة من المستشارين المحيطين به، وبينهم الإعلامية السابقة في قناة الجزيرة لونا الشبل، التي أصبحت لاحقًا إحدى أبرز مستشاريه الإعلاميين.

 

بحسب ما ينقله الكاتب روبرت وورث عن «مسؤولين سابقين في القصر» ومسؤول إسرائيلي سابق، تحولت الشبل إلى ما يشبه «السيدة الثانية» في محيط الأسد؛ إذ يصفها التقرير بأنها كانت عشيقته، وأن دورها لم يقتصر على الاستشارة الإعلامية، بل تعدّاه – وفقًا للمصادر نفسها – إلى «توفير نساء له»، من بينهن زوجات ضباط كبار في الجيش السوري.

 

هذه الجزئية تحديدًا هي التي تلقفتها عدد من المواقع العربية والإسرائيلية، وقدّمتها في عناوين لافتة عن «هوس الأسد الجنسي» و«فضائح نساء الضباط»، استنادًا إلى نص التقرير ذاته، دون وجود توثيق مستقل خارج ما نقلته المجلة عن مصادرها المجهّلة.

 

التقرير يشير أيضًا إلى تسجيل مسرّب ظهر في ديسمبر الماضي، يُسمع فيه الأسد ولونا الشبل وهما يسخران من حزب الله والجنود الذين يحيّونهما أثناء مرورهما في إحدى ضواحي دمشق، ويعلّق الأسد ساخرًا على مواطنين سوريين بأنهم «ينفقون المال على المساجد ولا يجدون ما يأكلونه»، في سياق يراه الكاتب دليلاً على ازدراء متزايد لدى الدائرة الضيقة في القصر تجاه عامة السوريين.

 

كل ما سبق يقدَّم في التقرير باعتباره شهادة منسوبة إلى «مسؤولين سابقين» و«مسؤول إسرائيلي» و«أشخاص على صلة بالنظام»، من دون نشر أسماء كاملة أو وثائق داعمة، وهو ما دفع بعض المراقبين للتعامل مع هذه التفاصيل بوصفها رواية سياسية مثيرة لكنها تحتاج إلى احتياط في التعامل معها، خاصة أن النظام السوري لم يعلّق عليها حتى الآن، ولم تصدر رواية مضادة مفصّلة من جانب دمشق.

 

من «سيدة القصر الثانية» إلى «عميلة لروسيا».. نهاية غامضة بين دمشق وموسكو

 

الشق الأكثر حساسية في تقرير The Atlantic يتعلق باتهامات على صلة بروسيا. ففي سياق تناول ظروف وفاة لونا الشبل في يوليو 2024، يعرض الكاتب روايتين متضاربتين:

 

الرواية الأولى، التي تداولتها بعض الأوساط السورية بعد الحادث، ربطت مقتلها بـ«غضب إيراني» من تسرّب معلومات حساسة. أما الرواية الثانية، وهي التي يرجّحها الكاتب استنادًا إلى مسؤول إسرائيلي سابق ومصدرين على صلة بالنظام، فتقول إن الأسد نفسه هو من أصدر أمر قتلها بعد أن تحولت، وفق وصفه، إلى «عميلة بحكم الواقع» لروسيا، تزود موسكو بمعلومات عن أنشطة إيران في سوريا.

 

التقرير يشير إلى أن الشبل كانت قد قُدمت وفاتها رسميًا على أنها نتيجة حادث سير على طريق سريع قرب دمشق، لكن بعض الروايات تحدثت عن أن السيارة لم تتعرض لأضرار جسيمة، في حين وُجدت جمجمتها مهشّمة، ما غذّى فرضيات الاغتيال بدلًا من الحادث العرضي.

 

ما يدعم خط الشكوك بشأن علاقتها بموسكو ما نشره لاحقًا معهد واشنطن وآخرون عن أن الشبل طوّرت علاقات قوية مع مسؤولين روس، وأنها – وفق مصادر معارضة – كانت تسعى لنقل أسرتها إلى سوتشي، كما تردد أنها سرّبت مضمون بعض لقاءات الأسد مع مسؤولين إيرانيين حول ملفات عسكرية حساسة، وإن ظل ذلك كله في إطار التسريبات غير المؤكدة.

 

مع ذلك، يحرص تقرير The Atlantic نفسه على الإقرار صراحة بأن هذا السيناريو «مستحيل التحقق» في الوقت الحالي، وأن المسؤولين الروس لا يعلّقون عادة على قضايا الاستخبارات، كما أن النظام السوري لم يقدّم رواية تفصيلية عن الحادث تتجاوز وصفه الرسمي بأنه «حادث مروري».

 

بهذا، تصبح صورة لونا الشبل، كما ترسمها التسريبات المتعددة، صورة شخصية تقف عند تقاطع حساس بين النفوذ داخل القصر وشبكات الارتباط بموسكو وطهران، لكن من دون حسم قاطع لأي من الروايات المتداولة حول دورها أو ظروف مقتلها.

 

بين التسريبات والواقع: كيف تُقرأ هذه الرواية وما حدود الموثوقية؟

 

انقسمت ردود الفعل على تقرير The Atlantic بين من تعامل معه بوصفه كشفًا مثيرًا لـ«الحياة السرية» لبشار الأسد ودائرته الضيقة، ومن فضّل التعامل معه بحذر باعتباره جزءًا من حرب روايات تدور عادة بعد سقوط الأنظمة. بعض وسائل الإعلام العربية أعادت نشر ما ورد في التقرير عن «هوس الأسد الجنسي» و«تحضير لونا الشبل لنساء القصر، وبينهن زوجات ضباط»، في سياق إبراز حجم الفساد الأخلاقي داخل رأس النظام.

 

في المقابل، يشير منتقدون لهذا الأسلوب إلى أن الاعتماد المكثف على مصادر مجهّلة – مسؤولين سابقين، ومسؤول إسرائيلي، ومصادر على صلة بالنظام – يفرض قدرًا من التحفظ، خاصة أن بعض هذه الشهادات لا يمكن تقاطعها حاليًا مع وثائق أو شهادات علنية مستقلة، وأن جزءًا منها قد يخدم أجندات سياسية أو دعائية في المنطقة.

 

كما أن غياب تعليق رسمي من دمشق أو موسكو، وعدم وجود تحقيق قضائي معروف النتائج حول وفاة الشبل، يجعل كثيرًا من التفاصيل في نطاق الرواية الصحفية الاستقصائية أكثر من كونها حقيقة قضائية مكتملة الأركان.

 

من زاوية أخرى، يرى فريق من المحللين أن الصورة التي يقدمها التقرير – عن قصر غارق في الفساد والعلاقات الشخصية المتشابكة، وعن مستشارة نافذة تتحرك بين دمشق وموسكو وطهران – تبدو منسجمة مع نمط معروف في أنظمة سلطوية مشابهة، حيث تختلط السلطة بالثروة وبشبكات ولاء عابرة للحدود، ما يجعل هذه الرواية «محتملة» حتى لو كانت التفاصيل الدقيقة غير قابلة للتحقق الآن.

 

في النهاية، يفتح ما نشرته The Atlantic الباب أمام أسئلة أكثر من الأجوبة:

 

- ما حجم الدور الحقيقي الذي لعبته لونا الشبل في سنوات الحرب السورية؟

 

- هل كانت مجرد مستشارة إعلامية نافذة، أم واجهة لشبكة علاقات أعمق مع موسكو؟

 

- هل كان مقتلها، كما تقول المجلة، آخر فصل من فصول صراع مكتوم بين دمشق وحلفائها، أم حادثًا تم تضخيمه في سياق سردية سياسية جديدة عن «سقوط بيت الأسد»؟

 

حتى تتوفر معلومات موثوقة ومستقلة، سيبقى كثير من هذه التفاصيل في خانة الاتهامات المنسوبة لمصادر صحفية، لا في خانة الحقائق القطعية، لكنها مع ذلك تعطي لمحة عن الصورة التي يرسمها جزء من الإعلام الغربي لنهاية عهد الأسد ودور أقرب المقربين إليه.