قبل أيام من دخول شهر رمضان، تتحول الدواجن – آخر ملاذ بروتيني لملايين الأسر – إلى عبء إضافي يلتهم ما تبقّى من دخول المصريين.

فبينما تتحدث الحكومة واتحاد منتجي الدواجن عن إنتاج وفير واكتفاء ذاتي، تكشف أسعار السوق عن شيء مختلف تمامًا: كيلو الفراخ البيضاء يقترب أو يتجاوز 100 جنيه للمستهلك، والبلدي تقفز إلى 130–135 جنيهًا في بعض المناطق، في موجة جديدة من الارتفاعات «الموسمية» التي تتكرر كل عام بلا حساب أو محاسبة.

 

في الخلفية، يلوّح وزير التموين بالاستيراد «بقوة» لكسر موجة الغلاء، بينما تعلن الحكومة عن اتفاق ثلاثي بين التموين والزراعة وجهاز «مستقبل مصر» لاستيراد كميات كبيرة من الدواجن المجمدة والمجزأة قبل رمضان.

لكن وسط هذه القرارات العاجلة، يبقى السؤال الأهم بلا إجابة: لماذا ترتفع الأسعار أصلًا في سوق تعترف الحكومة نفسها بوجود فائض إنتاج فيه؟ 

 

أرقام السوق تفضح الفجوة بين المزرعة وطبق المواطن

 

البيانات الرسمية اليومية لا تترك مجالًا للشك: الفجوة بين سعر المزرعة وسعر المستهلك تتسع بشكل مقلق.

 

  • في عدد من التحديثات اليوم الأحد 8 فبراير، سجل كيلو الفراخ البيضاء في المزرعة بين 85 و91 جنيهًا، بينما يباع للمستهلك ما بين 95 و110 جنيهات بحسب المنطقة، أي زيادة تتراوح بين 10 و25 جنيهًا في الكيلو الواحد.
  • الفراخ البلدي وصلت للمستهلك في بعض المناطق إلى 130–135 جنيهًا للكيلو، رغم أن سعرها من المزرعة يدور حول 115–120 جنيهًا.

 

هذه الأرقام تعني ببساطة أن مئات الجنيهات الإضافية تُسحب من جيوب الأسر مع كل «عزومة» أو حتى وجبة عادية، في وقت يفترض فيه – رسميًا – أن السوق «مستقر» وأن الأعلاف متوافرة، وسعر الدولار يتراجع، وأن الإنتاج المحلي يحقق فائضًا يصل إلى 25%.

 

الدكتور عبدالعزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية، يقرّ بأن الارتفاع الحالي لا يرتبط بأزمة أعلاف أو قفزات في سعر الصرف كما كان يحدث في السنوات الماضية، بل يربطه بما يسميه «تصحيحًا» بعد فترة طويلة من بيع الدواجن بأسعار أقل من التكلفة، وما تبعها من خروج مزارع من السوق. لكنه يعترف في الوقت نفسه بأن القفزة السريعة في الأسعار قبل رمضان تضرب قدرة المستهلك على الشراء، حتى لو بدت «منطقية» من وجهة نظر المنتج.

 

بمعنى آخر: ما يُقدَّم كـ«تصحيح اقتصادي» على لسان الشُعب والاتحادات، يتحول في حياة الناس إلى صدمة سعرية جديدة، تجعل الدواجن – المُفترض أن تكون البديل الأرخص للحوم الحمراء – سلعة «نارية» قبل رمضان بأيام.

 

فائض في الإنتاج وغياب في العدالة: حلقات وسيطة وكيانات كبرى في قلب الاتهام

 

المفارقة الأشد قسوة أن ممثلي الصناعة أنفسهم يعترفون بوجود فائض في الإنتاج، ومع ذلك ترتفع الأسعار.

 

الدكتور سامح السيد، رئيس شعبة الدواجن بالجيزة، يقول صراحة إن مصر تحقق اكتفاءً ذاتيًا وفائضًا في الإنتاج يصل إلى 25%، مؤكدًا أنه «لا توجد أي مبررات حقيقية للارتفاع الكبير في الأسعار قبل رمضان»، وأن السعر المنطقي للمستهلك لا ينبغي أن يتجاوز 95 جنيهًا للكيلو في الظروف الحالية.

 

إذا كانت المزارع – بشهادة الشعبة – لا تحتاج لأكثر من 75–85 جنيهًا كسعر عادل للكيلو من أرض المزرعة، فلماذا يدفع المواطن 105 أو 110 جنيهات وربما أكثر في بعض الأحياء؟ الفارق هنا لا يذهب إلى المربي الصغير الذي عانى شهورًا طويلة من الخسائر، بل يضيع بين حلقات وسيطة من سماسرة وتجار جملة، وسلاسل تجارية، وغياب شبه كامل لرقابة فعّالة على هوامش الربح.

 

ثروت الزيني، نائب رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن، يحذر من أن استمرار هذه الفوضى السعرية يضع «صناعة الدواجن على المحك» قبل رمضان، موضحًا أن السوق شهد فترات اضطر فيها مربون إلى التخلص من قطعانهم بسبب الخسائر، بينما يستمر المستهلك في دفع أسعار مرتفعة، ما يعني أن منظومة التسعير تعمل ضد طرفين في آن واحد: المنتج الصغير والمستهلك.

 

الأخطر أن الزيني يرفض اللجوء السهل إلى استيراد دواجن مجمدة باعتباره «بابًا للفساد» يفتح المجال لعقود استيراد أغلى من المحلي بنحو 25%، ومع ذلك تُطرح للمستهلك باعتبارها «حلًا للأزمة».

 

في الخلفية، يخرج صوت ثالث من داخل المنظومة الزراعية نفسها.

 

الدكتور سيد خليفة، نقيب الزراعيين، يلخص المعضلة في جملة واحدة:

«سعر الكيلو الفعلي للفراخ 70 جنيهًا، ولكن يتم بيعها بـ90 أو 95 جنيهًا للمستهلك، ومع كل رمضان يتم رفع الأسعار رغم ثبات سعر الأعلاف».

 

هذا التقدير من نقيب مهنة معنية مباشرة بالإنتاج الزراعي والداجني يعني أن جزءًا معتبرًا من الزيادة الحالية ليس له علاقة لا بالأعلاف ولا بالتكلفة الحقيقية، بل بـ«اللعب المعتاد» مع كل موسم رمضان، حين تتحول موائد الفقراء إلى فرصة ذهبية لمضاعفة الأرباح.

 

استيراد وأسواق «اليوم الواحد».. إنقاذ للمستهلك أم مسكن قصير المدى؟

 

أمام هذا الغضب الشعبي والانتقادات المتصاعدة، اختارت الحكومة السلاح الأسرع: الاستيراد والتوسع في «أسواق اليوم الواحد».

 

وزير التموين الدكتور شريف فاروق أعلن بوضوح أن خيار استيراد الدواجن «مطروح بقوة»، وأن الوزارة لن تتردد في ضخ كميات كبيرة من الدواجن المجمدة والمبردة قبل رمضان إذا لم تنضبط الأسعار، مع التوسع في الأسواق المتنقلة واليومية لكسر احتكار بعض المنتجين.

 

من حيث المبدأ، يرحب كثير من الخبراء بأي تدخل يخفف الضغط عن المواطن، لكن السؤال هنا: هل نعالج أزمة بنية سوق مختلة، أم نغطيها مؤقتًا بشحنات مستوردة تُدفع قيمتها من رصيد ما تبقى من العملة الصعبة؟

 

ثروت الزيني نفسه يحذر من أن الاعتماد على الاستيراد كحل دائم يهدد الصناعة المحلية ويشجع على «كسل» في معالجة جذور المشكلة: تكلفة تمويل مرتفعة، غياب نظام تسعير عادل وشفاف، ضعف رقابة حقيقية على السلاسل الوسيطة، وتضارب أدوار أجهزة يفترض أن تراقب فتتحول إلى لاعب داخل السوق.

 

في الوقت ذاته، يطالب نقيب الزراعيين الدولة بتدخل حقيقي يتجاوز مجرد الشوادر والأسواق المؤقتة، عبر:

 

  • وضع آليات رقابية صارمة على حلقات التداول.
  • كشف هوامش الربح الفعلية بين المزرعة والمستهلك.
  • محاسبة المتلاعبين بقوت الناس علنًا، لا الاكتفاء بتصريحات مطمئنة على الشاشات. 

 

في النهاية، ما تكشفه أزمة الدواجن قبل رمضان ليس مجرد مشكلة سلعة واحدة، بل نموذج مكثف لطريقة إدارة ملف الغذاء في مصر: إنتاج يقال إنه كافٍ، وأسعار تتصرف كأن البلد في مجاعة، ووزارات تتحرك متأخرة، واتحادات مهنية تعترف بالفجوة ولا تملك أدوات لإغلاقها.

 

ما لم تتحول تهديدات الحكومة إلى سياسة واضحة تربط السعر النهائي بالتكلفة الفعلية وهوامش ربح معلنة، وتفتح ملفات الاحتكار والوساطة والنفوذ الاقتصادي لبعض الكيانات الكبرى، سيبقى المشهد كما هو: فراخ «مصرية» تُباع بسعر «مستورد فاخر»، ومواطن يدفع الثمن وحده مع كل وجبة على مائدة رمضان.