أشعل مقترح تقدّمت به النائبة بمجلس الشيوخ أميرة صابر قنديل، بإنشاء بنك وطني للأنسجة البشرية، نقاشًا واسعًا تجاوز قاعات البرلمان إلى مواقع التواصل الاجتماعي والبرامج الحوارية. فبينما رأى مؤيدون في الفكرة بارقة أمل لعلاج عشرات الآلاف من ضحايا الحروق وإصابات الجلد الخطيرة، قوبل المقترح بسخرية وانتقادات حادة من آخرين اعتبروه «غريبًا» أو مثيرًا للمخاوف بشأن مصير أجساد المتوفين وإمكان إساءة استخدام الأنسجة.

 

الإعلامي محمد علي خير كان من أبرز الأصوات المنتقدة، إذ علّق ساخرًا عبر صفحته قائلًا: «وليه تستنوا لما نموت؟ ما نتبرع بجلودنا من دلوقتي وإحنا أحياء… إيه رأيكم؟»، في تعبير عن حالة تشكك ومزاح أسود تفاعل معها كثيرون على منصات التواصل. وفي المقابل، دافع آخرون عن المقترح باعتباره محاولة جادة لسد فجوة علاجية حقيقية يعاني منها مرضى الحروق في مصر.

 

وفي هذا السياق، يستعرض هذا التقرير ملامح المقترح وخلفياته الصحية والتشريعية، والتجارب الدولية ذات الصلة، ثم يقدّم صورة متوازنة لمواقف المؤيدين والمعترضين والأسئلة المطروحة على الرأي العام.

 

تفاصيل المقترح وخلفيته الصحية والتشريعية

 

قدّمت النائبة أميرة صابر قنديل، عضو مجلس الشيوخ عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، اقتراحًا برغبة موجّهًا إلى وزير الصحة والسكان، تطالب فيه بتأسيس بنك وطني للأنسجة البشرية، مع تيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، خاصة الجلد، بهدف تقديم حل منظم ومستدام لأزمة علاج مصابي الحروق في مصر.

 

المذكرة الإيضاحية المرفقة بالمقترح استشهدت بتجربة مؤسسة «أهل مصر» لعلاج الحروق، التي أعلنت في ديسمبر الماضي استقبال أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين، واستخدامه في علاج حالات حروق شديدة؛ من بينها مريض بلغت نسبة الحروق في جسده 75% مع الإعلان عن شفاء تام، إضافة إلى علاج نحو عشر حالات أخرى باستخدام الجلد المزروع. ترى النائبة أن هذه التجربة المحلية تمثل نموذجًا يمكن البناء عليه لتأسيس منظومة وطنية كاملة للتبرع بالأنسجة وتجهيزها، بدلًا من الاعتماد على الاستيراد الخارجي الذي قد تصل تكلفته، في بعض الحالات المعقدة، إلى حدود مليون جنيه للحالة الواحدة، ما يضاعف العبء على المرضى والمنظومة الصحية.

 

من الناحية القانونية، يشير المقترح إلى أن قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية رقم 5 لسنة 2010 وتعديلاته يجيز من حيث المبدأ التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة، بما فيها الجلد، لكنه لم يُفعَّل في هذا الجانب بالقدر الكافي، نتيجة معوقات إدارية وثقافية، وضعف في البنية المؤسسية القادرة على جمع الأنسجة وحفظها وتوزيعها بشكل منظم وشفاف.

 

أما من الناحية الصحية، فيلفت المقترح إلى أن الحروق تمثل مشكلة صحية عامة في مصر. فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024، بلغ عدد الوفيات المسجلة الناتجة عن الحروق 232 حالة، ووصل عدد المصابين إلى 831 مصابًا، مع زيادة ملحوظة في عدد حوادث الحريق على مستوى الجمهورية. في المقابل، تشير أرقام مؤسسة «أهل مصر» إلى صورة أكثر اتساعًا، إذ تتحدث عن نحو نصف مليون ضحية حروق سنويًا، نصفهم تقريبًا من الأطفال. وتشير البيانات إلى أن الأطفال دون الخامسة هم الفئة الأكثر تعرضًا للحروق، وأن وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية تستقبل نسبة كبيرة من الحالات بين الأطفال، مع معدلات وفيات أعلى من الدول المتقدمة، ومعاناة كثير من الناجين من إعاقات وتشوهات دائمة مرتبطة بنقص الجلد المتاح لعلاجهم.

 

في ضوء هذه الخلفية، يقدّم المقترح إنشاء بنك وطني للأنسجة بوصفه جزءًا من استجابة صحية منظمة، أكثر منه فكره نظرية جديدة، مع التأكيد على ضرورة وضع ضوابط صارمة للتبرع والحفظ والتوزيع، بما يتوافق مع القانون والضوابط الشرعية.

 

تجارب دولية ومرجعيات دينية داعمة للفكرة

 

فكرة بنوك الأنسجة البشرية ليست جديدة عالميًا، بل تُعد جزءًا من منظومات طبية مستقرة في عدد من الدول. يستشهد المدافعون عن المقترح بتجارب دول مثل تركيا وألمانيا وجنوب إفريقيا؛ ففي تركيا مثلًا يعمل مركز هندسة الأنسجة (CTE) منذ عام 2002 تحت إشراف وزارة الصحة، ويضم بنوكًا متخصصة للجلد والقرنية والعظام والصمامات القلبية، مع منظومة تشريعية ورقابية تضبط عملية التبرع بعد الوفاة وتضمن توزيع الأنسجة وفقًا لأولويات طبية واضحة. بالنسبة لمؤيدي المقترح في مصر، تعطي هذه التجارب انطباعًا بأن إنشاء بنك للأنسجة ليس خروجًا عن المألوف، بل محاولة للحاق بمعايير طبية مطبقة في دول أخرى.

 

على الصعيد الديني، يستند المقترح إلى فتوى رسمية صادرة عن دار الإفتاء المصرية في يوليو 2023، أجازت زراعة وترقيع الجلد من المتوفى إلى الحي، بشرط ألا يتحول الأمر إلى تجارة، وأن يلتزم بالضوابط الشرعية والقانونية، وأن تُجرى العمليات داخل مراكز طبية معتمدة وتحت إشراف مختصين. هذه الفتوى تُستخدم من قبل المؤيدين كدليل على أن الإطار الشرعي موجود بالفعل، وأن الجدل الحقيقي يدور حول آليات التطبيق والرقابة وليس حول أصل الجواز من عدمه.

 

من ناحية أخرى، يرى بعض المتحفظين أن الاستشهاد بالتجارب الدولية لا يكفي وحده، مشيرين إلى اختلاف ظروف المنظومة الصحية ومستوى الرقابة والشفافية بين الدول، ويطرحون تساؤلات حول قدرة المؤسسات في مصر على إدارة بنك للأنسجة دون أن تنشأ ثغرات يمكن استغلالها في الاتجار أو المحاباة أو ضعف العدالة في توزيع الأنسجة المتاحة. كما يعبر آخرون عن حساسية خاصة تجاه التعامل مع جسد المتوفى، حتى مع وجود فتوى بالجواز، معتبرين أن قبول المجتمع للفكرة يحتاج إلى وقت وحوار موسّع، وتطمينات متواصلة من الجهات الدينية والطبية.

 

بين مؤيد ومعترض: نقاش مجتمعي مفتوح حول الأولويات والثقة والضوابط

 

السجال الذي صاحب المقترح عكس تعدد زوايا النظر إلى الفكرة. فهناك اتجاه يرى في إنشاء بنك وطني للأنسجة خطوة ضرورية في ظل الأعداد الكبيرة لضحايا الحروق في مصر، وارتفاع تكلفة العلاج، واعتماد بعض الحالات على الاستيراد الخارجي. هذا الاتجاه يركز على البعد الإنساني، معتبرًا أن تبرع شخص بجلده بعد الوفاة لإنقاذ حياة طفل أو مريض بحروق شديدة يتسق مع قيم التكافل وحفظ النفس، ويدعو إلى تنظيم الحملة إعلاميًا ودينيًا لشرح الفكرة بدل السخرية منها.

 

في المقابل، يوجد اتجاه ينتقد المقترح من منطلقات مختلفة. بعض المنتقدين، ومنهم إعلاميون وشباب على مواقع التواصل، عبّروا عن تحفظهم بأسلوب ساخر أو مبالغ فيه، كما ظهر في تعليق محمد علي خير. هذه السخرية يعزوها البعض إلى غياب ثقة متراكمة في قدرة الدولة على إدارة ملفات حساسة دون مشكلات، وإلى المخاوف التاريخية من الاتجار في الأعضاء البشرية واستغلال الفقراء، حتى وإن كان المقترح ينص على التبرع بعد الوفاة فقط وتحت إشراف رسمي.

 

هناك أيضًا من يطرح تساؤلات حول الأولويات: هل بنك الأنسجة هو ما ينقص منظومة علاج الحروق في مصر الآن، أم أن المشكلة الأهم تكمن في نقص وحدات الحروق المجهزة، وقلة أسرة الرعاية المركزة، ونقص الكوادر المدربة، وتكلفة العلاج المرتفعة؟ أصحاب هذا الرأي يرون أن أي مشروع من هذا النوع يجب أن يكون جزءًا من خطة شاملة لتطوير منظومة علاج الحروق، لا مبادرة منفصلة تُحمّل وحدها مسؤولية إنقاذ المرضى.

 

من جهة أخرى، تؤكد النائبة أميرة صابر نفسها أن التحدي الأساسي ليس قانونيًا فقط، بل مجتمعي أيضًا. ففي تصريحات صحفية، شددت على أن القبول المجتمعي للفكرة يحتاج إلى وقت وجهد، وأن التبرع بالجلد بعد الوفاة يتطلب حملات توعية وتمهيدًا نفسيًا ودينيًا، وليس مجرد إصدار قرار أو إنشاء بنك على الورق.

 

في المحصلة، يعكس الجدل الدائر حول بنك الأنسجة البشرية حالة طبيعية من الاختلاف تجاه قضية تمس الجسد وكرامة المتوفى وفي الوقت نفسه ترتبط بحياة مرضى في أمسّ الحاجة إلى علاج متقدم. وبين الحماس للفكرة والتخوف منها، يبدو أن الخطوة التالية الأكثر حسمًا ستكون في يد مؤسسات الدولة الصحية والدينية والتشريعية: هل تتحول المبادرة إلى مشروع واضح بضوابط وشفافية وحوار مجتمعي واسع، أم تظل حبيسة المقترحات المتداولة في البرلمان وشاشات البرامج الحوارية؟