مع اقتراب شهر رمضان الذي تُشير حسابات فلكية إلى أن غُرّته قد تكون يوم الخميس 19 فبراير 2026، ترتفع حرارة الأسواق قبل أن ترتفع موائد الإفطار. وفي سوق الدواجن تحديدًا، قفز سعر الكيلو للمستهلك إلى نطاق 105–110 جنيهات في أيام قليلة، بينما يدور سعره في المزارع حول منتصف التسعينات، في مشهد يكشف فجوة هائلة بين “سعر الإنتاج” و“سعر البيع”، ويطرح سؤالًا مباشرًا: هل نحن أمام سوق حر فعلًا، أم سوق تُديره حلقات وسيطة بلا رقابة حقيقية؟
موسم الطلب يتحول إلى موسم استغلال
القراءة القاسية للواقع تقول إن رمضان لا يرفع الأسعار وحده، لكنه يمنح بعض المتحكمين في الحلقات الأخيرة فرصة ذهبية لتمرير زيادات لا علاقة لها بالتكلفة. سامح السيد، رئيس شعبة الدواجن بغرفة الجيزة التجارية، قال بوضوح إن “لا مبرر” للزيادة خلال الفترة الحالية، وذهب إلى أن “جشع التجار” أوصل الكيلو لمستويات أعلى لدى المستهلك. هذا التصريح لا يهاجم الإنتاج ولا الأعلاف، بل يضع إصبعًا على مكان الألم: آخر حلقة في السلسلة حيث تُصنع المبالغات تحت لافتة “الموسم”.
وفي السياق نفسه، كان رزق عبدالحميد، عضو شعبة الدواجن بالغرفة التجارية بالإسكندرية، قد ربط موجات الزيادة المتكررة بجشع بعض التجار والمبالغة في التسعير، بما يعني أن المشكلة ليست رقمًا واحدًا اسمه “العلف” بقدر ما هي سلوك سوق اعتاد أن يحمّل المواطن أي اضطراب أو مناسبة.
والنتيجة أن المواطن لا يشتري “دجاجة”، بل يشتري معها تكلفة فوضى التسعير، وعمولات الوسطاء، ومكاسب موسم كامل تُحصّل في أيام.
“تعويض خسائر” أم تبرير قفزة؟ تناقض الروايات يكشف غياب الحَكَم
على الجانب الآخر، تُقدّم شعبة الدواجن رواية مختلفة لكنها لا تُبرّئ السوق من الفوضى. الدكتور عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن، فسّر القفزات الأخيرة بأنها “تصحيح” بعد فترة بيع منخفضة للغاية وصلت لنحو 54 جنيهًا للكيلو وتسببت في خسائر قاسية للمربين، وهو ما دفع بعضهم للخروج من المنظومة وتقليل المعروض لاحقًا. لكنه في الوقت نفسه تحفّظ على وصول سعر المزرعة إلى أكثر من 90 جنيهًا، واعتبر أن “السعر العادل” يدور حول 80 جنيهًا تقريبًا، ما يعني أن هناك مساحة واضحة يمكن أن تنخفض دون أن تُعدم المنتج.
هذه النقطة تحديدًا تفضح التناقض: إذا كان “العادل” 80 في المزرعة، فلماذا يصل للمستهلك إلى 110؟ الفارق لا يمكن تفسيره بمنطق التكلفة فقط، بل بمنطق “من يملك التسعير”.
وفوق ذلك، يزيد ارتباك المشهد حين تتحدث منصات عن “وفرة” و“فائض إنتاج”، بالتوازي مع قفزات سعرية. فحين يقول عبد العزيز السيد إن الأسعار انخفضت أو تحركت في مدد قصيرة داخل السوق، فهذا يعني أننا أمام سوق عصبيّ، لا تحكمه آلية شفافة لتكلفة الإنتاج وهوامش الربح، بل موجات سريعة تصعد وتهبط حسب المزاج والطلب وقدرة كل حلقة على تمرير الزيادة.
حلول “الطمأنة” لا تكفي.. المطلوب تفكيك حلقات التحكم
بدلًا من مواجهة أسباب الفوضى، تُطرح في العادة وصفة مكررة: “استنوا بعد أول أسبوع رمضان الأسعار هتهدى”، أو “هنطرح دواجن في المنافذ”. نعم، تُشير تغطيات إلى طرح دواجن مذبوحة ومجهزة في بعض المنافذ بسعر 110 جنيهات للكيلو، لكن هذا الرقم نفسه ليس “كسرًا للسوق” بقدر ما هو تثبيت لسقف مرتفع، لأن المواطن حين يسمع 110 من منفذ حكومي لن يملك حجة قوية في مواجهة تاجر يبيع قريبًا منه أو أعلى قليلًا.
ومن ناحية أخرى، يخرج أبو الفتوح مبروك، نائب رئيس شعبة الدواجن بغرفة القاهرة التجارية، بتوقعات متفائلة عن أن رمضان 2026 قد يكون “الأفضل” وأن الأسعار قد تنخفض 30–35%. التوقع مهم، لكنه لا يُغني عن سؤال الإدارة: من سيضمن أن أي انخفاض في المزرعة سينتقل للمستهلك بدل أن يبتلعه الوسطاء؟
المطلوب ليس بيانات تطمين ولا معارض موسمية فقط، بل “حَكَم” للسوق وآليات تمنع العبث. ضبط حلقات التداول عبر إلزام واضح بإعلان أسعار يومية على أساس سعر المزرعة وهوامش نقل وذبح وتوزيع معلنة، وتفعيل رقابة فعلية على منافذ بيع الطيور الحية التي تُتهم مرارًا بالاستغلال، وتشجيع التحول المنظم للدواجن المذبوحة والمعبأة لتقليل التلاعب في الحلقة الأخيرة، كلها إجراءات تُخرج التسعير من دائرة الشائعات إلى دائرة الأرقام.
أما ترك الأمر لشعار “عرض وطلب” بينما تُترك الحلقات الوسيطة بلا مساءلة، فهو عمليًا تفويض مفتوح لرفع السعر مع كل موسم، ثم مطالبة المواطن بالصبر على “تصحيح السوق” بعد أن يكون قد دفع الثمن كاملًا مقدّمًا.

