في مشهد يعكس عمق التحولات التي يشهدها الخليج العربي، برزت العاصمة السعودية الرياض كملاذ رئيسي للأثرياء وكبار المديرين التنفيذيين الساعين إلى مغادرة المنطقة، بعد التطورات العسكرية الأخيرة التي طالت عدداً من العواصم الخليجية، وفي مقدمتها دبي وأبوظبي.

 

وبحسب ما أورده موقع سيما فور الإخباري، فإن موجة نزوح غير مسبوقة تشهدها المنطقة منذ عطلة نهاية الأسبوع، عقب هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة من إيران واستهدفت مدناً في الإمارات إلى جانب قطر والبحرين وذالك قبل الهجوم على السعودية، ما أحدث صدمة لدى الأوساط المالية والاستثمارية الدولية المقيمة في الخليج.

 

من ملاذ ضريبي إلى ساحة توتر

 

طوال السنوات الماضية، رسخت مدن مثل دبي وأبوظبي مكانتها كوجهات عالمية للأثرياء، مستفيدة من بيئة ضريبية جاذبة، ومناخ مشمس على مدار العام، وبنية تحتية متطورة، إضافة إلى مستوى عالٍ من الأمان والاستقرار السياسي.

وقد تحولت تلك المدن إلى مراكز رئيسية لإدارة الثروات العالمية واستقطاب كبار التنفيذيين في قطاعات المال والتكنولوجيا والطاقة.

 

غير أن التطورات العسكرية الأخيرة قلبت المعادلة.

فمع سقوط الصواريخ وتحليق المسيّرات فوق عدد من العواصم الخليجية، تبدلت صورة الأمان التي لطالما جذبت رؤوس الأموال، وبدأت حسابات المخاطر تتقدم على اعتبارات الضرائب ونمط الحياة.

 

الرياض.. المطار الذي لم يتوقف

 

في خضم هذه الاضطرابات، برزت الرياض بوصفها نقطة العبور الأكثر أماناً.

ويُعد مطار العاصمة السعودية من بين المطارات القليلة في المنطقة التي واصلت العمل بشكل طبيعي، ما جعله مركزاً لوجستياً رئيسياً لعمليات الإجلاء.

 

وأفادت مصادر مطلعة بأن المديرين التنفيذيين وعائلاتهم العالقين في مدن خليجية أخرى اضطروا إلى قطع مسافات طويلة براً للوصول إلى الرياض، في رحلات تستغرق قرابة عشر ساعات بالسيارة من دبي، قبل الانتقال إلى طائرات خاصة أو تجارية متجهة إلى أوروبا أو وجهات أخرى خارج المنطقة.

 

شركات أمن خاصة وأساطيل دفع رباعي

 

المصادر ذاتها أكدت أن شركات أمن خاصة دخلت على خط الأزمة، حيث قامت بحجز أساطيل كاملة من سيارات الدفع الرباعي لنقل الشخصيات الثرية وكبار المسؤولين التنفيذيين عبر الحدود.

كما جرى استئجار طائرات خاصة بكثافة غير مسبوقة، ما تسبب في ارتفاع حاد في الأسعار خلال أيام قليلة.

 

وتشير المعلومات إلى أن عمليات الإجلاء شملت فئات متنوعة، من بينهم مسؤولون في مؤسسات تمويل عالمية، ومستثمرون كبار، إضافة إلى عائلات كانت متواجدة في الخليج لأغراض العمل أو السياحة.

 

قفزة قياسية في تكاليف الطيران الخاص

 

مع ازدياد الطلب، ارتفعت تكلفة استئجار الطائرات الخاصة إلى مستويات قياسية.

وأوضح أمير ناران، الرئيس التنفيذي لشركة “فيمانا برايفت” لوساطة الطائرات الخاصة، أن السعودية تمثل حالياً الخيار العملي الوحيد للراغبين في مغادرة المنطقة، مشيراً إلى أن تكلفة استئجار طائرة خاصة من الرياض إلى أوروبا بلغت نحو 350 ألف دولار، وهو رقم يعكس حجم الطلب وضيق الخيارات المتاحة.

 

مسارات بديلة أُغلقت سريعاً

 

وفي بداية الأزمة، سعت بعض الشركات إلى استخدام سلطنة عُمان كممر بديل للخروج، إلا أن هذا الخيار لم يدم طويلاً، بعدما طالت هجمات منشآت ومرافق في البلاد، ما أدى إلى إغلاق المسار العُماني أمام حركة الإجلاء.

 

وبذلك، أصبحت الرياض نقطة الارتكاز الأساسية، ليس فقط بوصفها وجهة آمنة نسبياً، بل أيضاً باعتبارها المنفذ الجوي الأكثر استقراراً في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

 

إلا أن مراقبين يشيرون إلى أن استمرار دائرة التصعيد واتساع نطاق الضربات ليشمل الأراضي السعودية نفسها قد يغير المعادلة مجدداً، إذ إن أي استهداف مباشر للمملكة من شأنه أن يدفع بخطط الإجلاء إلى مرحلة جديدة، ويجبر الراغبين في المغادرة على البحث عن بدائل إضافية خارج نطاق الخليج بالكامل.

وفي حال تراجعت قدرة الرياض على أداء دورها كممر آمن، قد تتجه الأنظار إلى وجهات إقليمية أبعد أو إلى نقل عمليات الخروج عبر مسارات جوية دولية بديلة، ما يعني أن خريطة الهروب لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة وفق مسار التطورات الميدانية.