حين يخرج مصطفى مدبولي ليعلن بثقة أن الحكومة «قضت تمامًا على السوق السوداء للدولار» و«استعادت استقرار الاقتصاد الكلي»، يبدو المشهد – على الورق – مريحًا: تعويم للجنيه في مارس 2024، حزمة إنقاذ موسعة من صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار، وتراجع تدريجي في أرقام التضخم بعد أن لامست مستويات قياسية تاريخية.

 

لكن بعيدًا عن لغة المؤشرات والعروض التقديمية، يقف المواطن أمام أسعار غذاء وكهرباء ونقل تضاعفت خلال ثلاث سنوات، وخدمات أساسية تُسعَّر اليوم على أساس دولار معوَّم، وأجور تكاد تكون مجمّدة، وضرائب ورسوم ورسوم إضافية تُسحب من جيب منهك. الأرقام تقول إن التضخم «يتراجع»، لكن الواقع يقول إن الأسعار لم تعد إلى ما كانت عليه ولن تعود، وإن «القضاء على السوق السوداء» لا يعني أن أزمة الدولار انتهت، بل أن يد المواطن لم تعد تصل إليه من الأصل. هنا تتكشف الفجوة الخطيرة بين خطاب السلطة عن «نهاية الأزمة» وحقيقة اقتصاد يعيش على حقن خارجية، بلا إنتاج كافٍ ولا عدالة توزيع ولا أفق واضح.

 

السوق السوداء: نهاية بالقبضة أم حلٌّ بالأرقام الحقيقية؟

 

صحيح أن الحديث عن سوق موازية نشطة للدولار تراجع كثيرًا منذ تعويم مارس 2024، بعد أن كان سعر العملة الأمريكية في السوق السوداء يلامس 70 جنيهًا في يناير من نفس العام، مقابل سعر رسمي عند 30–31 جنيهًا. لكن اختفاء «السعر الموازي» من العناوين لا يعني أن جرح العملة الصعبة التأم، بل يعني أن الحكومة أحكمت القبضة:

 

•  تشديد غير مسبوق على شركات الصرافة والتحويل.

 

•  قيود على الاستيراد وتقليص فتح الاعتمادات.

 

•  تدفقات استثنائية من الخليج والمؤسسات الدولية بعد توقيع اتفاقات استثمار وقروض جديدة.

 

بمعنى آخر، استقرار سعر الدولار اليوم حول مستويات أقل مما بعد التعويم هو استقرار «إداري – تمويلي» أكثر منه استقرار نابع من زيادة حقيقية في موارد العملة الصعبة من تصدير وصناعة وخدمات ذات قيمة مضافة. تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) نفسه ينبه إلى أن الاقتصاد المصري ظل لسنوات يعتمد على تدفقات خارجية وقروض، مع استمرار عجز كبير في الحساب الجاري وعبء دين ثقيل.

 

النتيجة أن أي تباطؤ في هذه التدفقات – أو تعثر في مراجعات برامج مصر مع صندوق النقد – يعيد شبح السوق السوداء فورًا، لأن قاعدة الإنتاج المحلية لم تتغير جذريًّا: اقتصاد مستورد، قاعدة صناعية مكبلة بتكلفة تمويل مرتفعة وبيروقراطية مزمنة، واستثمار خاص خائف من مزاحمة الدولة والأجهزة السيادية.

 

ما يحدث إذن أقرب إلى «تبريد» للأزمة لا علاج جذري لها؛ إخماد للنار بالأموال الساخنة والصفقات الاستثنائية، دون إصلاح حقيقي يضمن ألا تشتعل الأزمة من جديد عند أول هزة خارجية أو خلاف مع الممولين.

 

تضخم يتراجع على الورق.. وأسعار تُثبَّت عند القمة

 

تفاخر الحكومة بأن التضخم هبط من مستويات قياسية – وصلت إلى 38% في سبتمبر 2023 – إلى نحو 13–14% في منتصف 2025، بعد دورة تشديد نقدي قاسية وتحرير سعر الصرف. لكن ما لا يُقال هو أن «انخفاض التضخم» لا يعني أبدًا عودة الأسعار لما كانت عليه، بل يعني فقط أن سرعة الارتفاع قلت، بينما بقيت الأسعار نفسها عند قمم جديدة خانقة.

 

ثلاث سنوات من التضخم التراكمي تجاوزت 100% بحسب تقييمات دولية، أي أن سلعًا أساسية تضاعف سعرها وأكثر، في حين توقفت الأجور تقريبًا عند مستويات ما قبل الصدمة.

 

الأخطر أن إجراءات «الإصلاح» جاءت على حساب الفقراء والطبقة الوسطى بشكل مباشر:

 

•  رفع أسعار الوقود والكهرباء والخدمات العامة.

 

•  والأهم: قرار تاريخي برفع سعر رغيف الخبز المدعم أربعة أضعاف في يونيو 2024 لأول مرة منذ عقود، من 5 قروش إلى 20 قرشًا للرغيف، في بلد يعتمد أكثر من 70 مليونًا من سكانه على هذا الدعم للبقاء.

 

في هذا السياق، تصبح تصريحات «تراجع التضخم» أشبه بلعبة لغوية: المواطن لا يشتري النسبة المئوية، بل يشتري كيلو الأرز والدجاج وزجاجة الزيت، ويدفع فواتير كهرباء ومياه ونقل ورسوم مدرسية؛ كل هذه البنود لم تعد إلى ما كانت عليه، ولن تعود ما لم يحدث تغير حقيقي في هيكل الأجور، وفي سياسات التسعير والضرائب والدعم.

 

التقارير الدولية تعترف بأن الاقتصاد المصري بدأ يستعيد بعض الاستقرار الكلي، لكنّها في الوقت نفسه تؤكد أن ثمار هذا الاستقرار لا تصل إلى من هم تحت، وأن الفقر – الرسمي أو القريب من الفقر – يطوق ما يقرب من 60% من السكان عند خط 8.3 دولار في اليوم، بينما يعيش نحو 30% تحت خط الفقر الوطني.

 

فأي معنى لاستقرار لا يترجم إلى طعام على المائدة، ودواء في الصيدلية، وفرصة عمل حقيقية تحفظ كرامة الناس؟

 

«تحول هيكلي» على الورق.. واقتصاد يعيش على أجهزة الإنعاش الخارجية

 

يكرر مدبولي حديثه عن «تحول هيكلي» في مصادر النمو: صناعة، اتصالات، تكنولوجيا معلومات، صادرات، سياحة، شركات ناشئة. نظريًّا، هذه الكلمات مطلوبة وضرورية؛ فاقتصاد يقوم على الإنتاج والتصدير أفضل من اقتصاد يستهلك القروض ويطارد «الأموال الساخنة». لكن على الأرض، لا تزال الصورة أبعد ما تكون عن هذا الحلم:

 

•  الصناعة تعاني من كلفة تمويل مرتفعة بعد قفزات متتالية في أسعار الفائدة لكبح التضخم.

 

•  مدخلات الإنتاج – من خامات ومكونات – لا تزال رهينة الدولار، ما يجعل أي هزة في سوق الصرف تنعكس فورًا على تكلفة الإنتاج.

 

•  هيمنة الدولة، وخاصة المؤسسة العسكرية والجهات السيادية، على قطاعات واسعة تحد من قدرة القطاع الخاص على التوسع والمنافسة.

 

أما الحديث عن «ميثاق الشركات الناشئة» وتحفيز ريادة الأعمال فهو خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنه يظل رهانًا متوسط وطويل الأجل في اقتصاد يفتقر أساسًا إلى بيئة تنافسية مستقرة، وقضاء مستقل، ونظام ضريبي عادل، وحماية من تقلبات القرارات المفاجئة والرسوم الجديدة. لا يمكن تحميل الشركات الناشئة – وهي بطبيعتها هشة – مسؤولية إنقاذ اقتصاد مثقل بديون خارجية وفوائد تلتهم نحو 7–8% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا.

 

اللافت أن مصر تحولت في السنوات الأخيرة إلى واحد من أكبر زبائن صندوق النقد في العالم، بقروض تجاوزت 20 مليار دولار منذ 2017، إضافة إلى الحزمة الأخيرة البالغة 8 مليارات دولار. هذا الاعتماد الكثيف على الخارج، مع استمرار الإنفاق على مشروعات ضخمة ذات عائد اجتماعي واقتصادي محلّ جدل، يجعل «التحول الهيكلي» أقرب إلى لافتة تزيينية تُرفع في المؤتمرات، بينما يعيش الاقتصاد في الواقع على أجهزة إنعاش اسمها: القروض، والودائع الخليجية، وصفقات بيع الأصول العامة.

 

في النهاية، قد تكون الحكومة نجحت في تفادي الانهيار الكامل، وفي إعادة بعض الانضباط للمؤشرات الكلية، لكن السؤال الأخطر يبقى معلّقًا: هل نحن أمام بداية خروج حقيقي من الأزمة، أم أمام «هدنة اقتصادية» تُشترى بثمن اجتماعي باهظ وسلسلة ديون جديدة، يمكن أن تنفجر في أي لحظة إذا قرر الدائنون تغيير قواعد اللعبة؟

 

ما يقوله الشارع اليوم – ببساطة – هو أن استقرارًا لا يلمسه في إيجار شقته، وفاتورة كهربائه، وسعر رغيف خبزه، ليس استقرارًا حقيقيًا، بل رقمًا جميلًا في بيان حكومي لا يطعم جائعًا ولا يُسكِن مهمَّشًا.