مع بداية الفصل الدراسي الثاني وقرب حلول شهر رمضان المبارك، يرتفع صوت أولياء الأمور في مصر مطالبين بما يبدو بديهيا: نظام تعليمي يراعي الإنسان قبل الورق، والعقل قبل «الخريطة الزمنية» الجامدة. لكن في المقابل، تبدو وزارة التربية والتعليم في وادٍ آخر؛ إصرار على تكديس المناهج في ترم قصير، وتقييمات أسبوعية وخالية من الرحمة، وامتحانات تتزامن مع إرهاق الصيام، ونظام احتساب درجات عبثي يحوّل غلطة واحدة إلى خصم ست درجات أو أكثر، ثم حديث رسمي مكرر عن «تطوير التعليم» و«مصلحة الطالب».

 

ما يطرحه أولياء الأمور اليوم ليس مجرد «طلبات رفاهية»، بل صرخة ضد نظام امتحانات وتقييمات حوَّل العام الدراسي إلى ماكينة ضغط نفسي وعصبي على التلاميذ والأسر معًا، خاصة في المراحل الأولى، حيث يُفترض أن تكون المدرسة مساحة أمان وتعلّم لا ساحة استنزاف وعقاب.

 

امتحانات في رمضان.. إصرار على الإرهاق لا على التعلم

 

أولى صرخات أولياء الأمور تتعلق بتزامن الامتحانات مع شهر رمضان، ومع ذلك لا يظهر في الأفق أي استعداد حقيقي من الوزارة لتعديل الجداول أو مراعاة خصوصية هذا الشهر. المطالب واضحة: تأجيل الامتحانات التي تقع في قلب رمضان، تقليل عدد التقييمات خلال الشهر، وضبط اليوم الدراسي ليبدأ من التاسعة أو العاشرة صباحًا وينتهي في الواحدة أو الثانية، حتى لا يتحول الصيام إلى عبء مضاعف على أطفال يقضون ساعات طويلة بين زحام المواصلات وفصول مكتظة.

 

أولياء الأمور لا يطلبون «تعطيلاً للدراسة»، بل إعادة ترتيب الأولويات: ما الذي يمنع تقليص اليوم الدراسي في رمضان؟ أو ضغط بعض الأنشطة غير الأساسية قبل الشهر، بدل أن يجد التلميذ نفسه يصحو منهكًا، يحضر يومًا دراسيًا طويلاً، ثم يُطالَب بالمذاكرة والعبادة في نفس الوقت؟

 

في بلد يتفاخر مسؤولوه بشعارات «الهوية» و«قيم المجتمع»، يصبح استمرار الامتحانات الثقيلة في رمضان ورفض أي تعديل حقيقي على اليوم الدراسي دليلاً إضافيًا على انفصال وزارة التعليم عن الواقع الاجتماعي والديني للناس، وإصرارها على أن ترى الطالب مجرد رقم في جدول، لا إنسانًا له طاقة وحدود.

 

«غلطتك بست درجات».. تقييمات قاسية تقتل حماس التلاميذ

 

ما يثير غضب الأسر أكثر من جداول الامتحان، هو نظام تقييم ظالم في جوهره؛ اختبار من 30 درجة «يضرب في 2»، فيتحول أي نقص بسيط إلى كارثة، وغلطة واحدة في سؤال قد تطيح بست درجات أو أكثر. أمهات يتحدثن بمرارة عن أطفال يعودون من المدرسة منهارين بسبب خطأ واحد صار أكبر من حجم جهدهم طوال الشهر، وأبناء يخرجون من الامتحان وهم يشعرون أن تعبهم ذهب هباءً لأن المعلمة أو المعلم «شدد» في التصحيح أو لأن نموذج الأسئلة أصعب من غيره.

 

حين تقول أم: «حرام تبقى بنتي غلطانة غلطة واحدة تنقص 6 درجات أو أكتر»، فهي لا تبالغ؛ هي تصف واقعًا يحوّل التقييم من أداة قياس إلى سلاح تحطيم للثقة بالنفس. هذا النوع من الأنظمة العقابية لا يصنع طالبًا جادًا، بل يصنع طفلًا مرعوبًا، يربط المدرسة بالفشل والإهانة، ويكبر وهو مقتنع أن التعليم سُلَّم للضغط لا أداة للتحرر والمعرفة.

 

المطالبة بإلغاء التقييمات المتكررة أو على الأقل تقليلها إلى امتحانات شهرية عادلة، مع إلغاء فكرة ضرب الدرجات في اثنين وأربعة، ليست «دلعا» تربويا، بل محاولة لإنقاذ ما تبقى من حماس التلاميذ. العدالة في التقييم تعني أن يُحاسب الطالب على مستواه الحقيقي، لا على لعبة أرقام تضخّم الأخطاء وتبخس الجهد، وتحوّل كل اختبار إلى محكمة لا إلى فرصة تعلم.

 

فوضى القرارات ونماذج امتحان غير عادلة.. تعليم بلا بوصلة

 

جانب آخر من غضب أولياء الأمور يتركز حول الفوضى المستمرة في القرارات وطريقة وضع الامتحانات. ولي أمر يشتكي من قرارات «مفاجئة» تصدر قبل الامتحانات بأيام: مرة تُقال إن النصوص ستكون «متحررة»، ثم يتراجعون ويقولون «من المنهج»، ثم تتكرر القصة مع القراءة والموضوعات، وكأن الوزارة تجرّب في التلاميذ بلا أي اعتبار لاستقرارهم أو استعداداتهم. هذه العشوائية لا تصنع نظامًا محترمًا، بل تربك الطالب والمعلم معًا، وتفتح الباب لمزيد من الشائعات والبلبلة.

 

أما نماذج الامتحان المتعددة، فقد تحولت من وسيلة لمكافحة الغش إلى أداة أخرى لغياب العدالة؛ أمهات يحكين عن أطفال يخرجون من اللجنة يبكون لأن نموذجهم كان «صعب جدًا»، بينما زملاؤهم يحملون النموذج الأسهل ويخرجون بضحكة وراحة. إذا كانت الأسئلة موزعة دون توحيد حقيقي في المستوى، فإن الوزارة بذلك تعلن عمليًا أن النتيجة ليست مرتبطة بما حفظه الطالب وما فهمه، بل بالحظ العاثر أو الجيد في رقم النموذج.

 

أضف إلى ذلك الضغط الهائل لأعمال السنة والتقييمات الأسبوعية، التي لا تمثل عبئًا على الطالب فقط، بل على المدرس أيضًا، وتفتح بابًا واسعًا للتحكم والظلم و«التقديرات المزاجية» في بعض المدارس، خاصة مع غياب رقابة جادة على التصحيح وأعمال السنة. حين تقول إحدى الأمهات: «المدرس هو المتحكم فيها»، فهي تشير إلى واقع يحتاج إلى نظام رقابي واضح وشفاف، لا إلى شعارات عن «الانضباط» لا تُترجم إلى آليات فعلية.

 

في الخلفية، تقف مشكلة أخرى لا تقل خطورة: مصاريف المدارس الخاصة التي «تطير» فجأة إلى أرقام غير منطقية، دون أن يجد أولياء الأمور جهة حقيقية تحاسب أو تضبط. بينما تتحدث الوزارة عن «تطوير المنظومة»، تُترك آلاف الأسر تحت سيف زيادات عشوائية، لا تراعي دخل المواطن ولا ظروفه في ظل أزمة اقتصادية خانقة.

 

وسط كل هذا، تطالب أصوات كثيرة بعودة نظام «الميدتيرم» الذي كان يجمع ثلثي المنهج في اختبار منضبط، ويمنح الطلاب فرصة حقيقية للمراجعة والتدرج في التحصيل، بدل أن يضيع الترم بين تقييمات متلاحقة، ومناهج مضغوطة، وقرارات مرتبكة، وامتحانات لا ترحم.

 

أصوات أولياء الأمور هذه ليست مجرد شكاوى عابرة؛ إنها شهادة على نظام تعليمي فقد بوصلته، وتركت فيه الدولة الطالب وولي الأمر يصارعان وحدهما بين ضغط المناهج، وجنون الدرجات، وفوضى الامتحانات. إن لم تستجب الوزارة لهذه المطالب بقرارات واضحة وشجاعة، فستظل شعارات «تطوير التعليم» مجرد لافتة جميلة على باب مدرسة منهكة من الداخل، وتلاميذ يدفعون الثمن في صحتهم ونفسياتهم ومستقبلهم.