تخرج العبارة سهلة كقطعة نقد لامعة: “الفقير في دولة قوية أفضل من الغني في دولة ضعيفة”.

تبدو كأنها حكمة جاهزة للتعليق على جدار أو لتصدير مقطع فيديو، لكنها حين تُلقى في الهواء ثم تُترك لتسقط على أرض الواقع، قد ترتطم بما لا تراه الكاميرا.

فـ”الدولة القوية” في الخطاب ليست دولة من لحم ودم، بل دولة من ورق مصقول؛ دولة تُقال لا تُقاس، تُطمئن السامع قبل أن تسأله عن معنى الاطمئنان.

والفقير في هذه الحكاية يتحول إلى شخصية رمزية، يُستدعى ليكمل الصورة، ثم يُعاد إلى يومه المثقل حيث يُطلب منه أن يتدفأ بالشعار بدل أن يتدفأ بالخدمة، وأن يقتات على المعنى بدل أن يقتات على الأجر.

 

العبارة تُعيد ترتيب العالم بلمسة واحدة: القوة هنا مظلة، والفقير تحتها آمن، والغني خارجها في مهب الريح.

لكن الواقع لا يحب المظلات البلاغية كثيرًا؛ لأنه يمطر أسئلة: أين تبدأ القوة؟ ومن يشهد عليها؟ وكيف تتجسد في كوب دواء، وفي سرير مستشفى، وفي مدرسة لا تبتلع العمر ثم تخرجه فارغًا؟

وحين يقول صاحب العبارة إن “الناس اللي اتشردت هتفهم”، يبدو كأنه يلوّح بحكمة قاسية: التشرد ليس دليلًا على فهمٍ متأخر، بل جرحٌ لا ينبغي أن يُستخدم كحجة لتمرير فكرة.

فالتشرد لا يعلّم الناس فضائل القوة بقدر ما يفضح غياب الأمان.

 

القوة التي تُرى من الشرفة والقوة التي تُحسّ من الشارع

 

هناك قوتان تتجاوران ولا تلتقيان.

قوة تُرى من الشرفة: لغة صلبة، صور رسمية، عبارات عن “الحماية” و”الحقوق” و”الاستقرار”.

وقوة تُحسّ من الشارع: قدرة المواطن على العيش بلا خوف من الفاتورة، بلا قلق من العلاج، بلا ارتباك من نافذة خدمة تُغلق في وجهه لأن الورق ناقص أو لأن الدور طال.

في القوة الأولى، الكلام منتظم كالبدلة الرسمية. في القوة الثانية، الحياة تُجرّب نفسها كل صباح.

 

العبارة تُلمّح إلى أن الفقير في الدولة القوية “حقوقه محفوظة”. جميل.

لكن الحقوق في الواقع لا تُحفظ في خزنة الخطاب، بل في مفاتيح الوصول: هل يصل الفقير إلى حقه بسهولة أم يضيع عمره بين شبابيك؟

هل يحصل على خدمة محترمة أم يحصل على إحساس بأنه عبء؟ هل تُدار المساندة كحقٍ ثابت أم كمنّة موسمية؟

“حقوقه محفوظة” قد تصبح مثل لافتة “ممنوع الوقوف” في شارع ممتلئ بالسيارات: شعار صحيح في حد ذاته، لكن تنفيذه هو الذي يصنع المعنى.

 

الحماية الاجتماعية كمعطف واسع في الإعلان… ضيق في المقاس الحقيقي

 

القول إن الدولة القوية “هتعمله حماية اجتماعية” يشبه وعد معطف شتوي في إعلان: واسع، دافئ، يحمي من البرد.

ثم يلبسه الفقير في الواقع فيجده إما قصيرًا لا يغطي ما يجب تغطيته، أو واسعًا في مكان وضيقًا في مكان، أو ثقيلًا لدرجة أنه يعوق الحركة.

الحماية الاجتماعية ليست فكرة شعرية؛ هي تفاصيل دقيقة: قيمة تكفي، واستمرار يُعتمد عليه، ومعايير واضحة، ومسار لا يكسر كرامة الإنسان.

 

وفي الحياة اليومية، الفقير لا يحتاج إلى حماية تقول له “أنا موجودة”، بل حماية تقول له “أنا كافية”. لا يحتاج إلى شبكة أمان تُصوَّر، بل شبكة أمان تُختبر حين تتعطل أيامه أو يمرض أو يفقد عملًا أو يبتلعه طارئ.

فإذا تحولت الحماية إلى مجرد كلمة في جملة، فإنها تصبح مثل “باب طوارئ” في مبنى مغلق: موجود في الخريطة، لكنه لا يُفتح عندما يشتعل الدخان.

 

الغني في الدولة الضعيفة… والفقير في الدولة القوية: مسرحية مقارنة سهلة

 

تُغري المقارنة لأنها تخلق انتصارًا سريعًا: الفقير هنا أفضل من الغني هناك.

لكنها مسرحية بسيطة لواقع شديد التعقيد. الغني قد يشتري لنفسه بدائل، والفقير لا يملك رفاهية البديل.

الغني قد يسافر بعلاجه، والفقير ينتظر. الغني قد يلتف على الأزمة، والفقير يصطدم بها وجهًا لوجه.

لذلك حين نضع الفقير بصفته “أفضل” لمجرد أنه يعيش تحت اسم “دولة قوية”، نكون كمن يمنحه شهادة تفوق وهو ما زال يبحث عن مقعد في الفصل.

 

أما جملة “فلوسه هتتاكل برّه وجوّه” فهي صورة قوية، لكنها تظل صورة. الأكل الحقيقي للأموال، أيًا كان صاحبها، يحدث حين تغيب القواعد الواضحة ويضعف الانضباط المؤسسي.

وهنا المفارقة المجازية: الدولة لا تقوى بالشدة في الصوت، بل تقوى حين لا يحتاج المواطن إلى واسطة ليصل لحقه، وحين لا يصبح القانون مزاجًا، وحين لا تتحول الحياة إلى امتحان يومي للقدرة على الاحتمال.

 

في النهاية، عبارة “الفقير في دولة قوية أفضل…” قد تكون مريحة كمسكّن لغوي، لكنها لا تكفي كعلاج.

القوة التي تُقال ليست بالضرورة القوة التي تُعاش. والفقير لا يريد أن يكون بطلًا في حكمة؛ يريد أن يكون إنسانًا في نظام عادل. الدولة القوية في وجدان الناس ليست تلك التي تملك شعارًا جذابًا، بل تلك التي تجعل الفقير أقل خوفًا، أقل احتياجًا، وأكثر قدرة على الوقوف دون أن يظل يمد يده للمعنى بدل أن يجد حقه في الواقع.