لم يكن ظهور توفيق عكاشة ضيفًا على بودكاست «أسئلة حرجة» مع مجدي الجلاد حدثًا عابرًا في المشهد الإعلامي المصري، بل كاشفًا لفلسفة كاملة تحكم إعلام ما بعد ٣ يوليو: إعادة تدوير الوجوه التي لوّثت الوعي العام، ومنحها منصات جديدة لتبيع الوهم نفسه بعبارات أفخم وإخراج أكثر بريقًا.
الحوار الذي روّج له عبر حسابات «مصراوي» ومنصات «أونا» الإعلامية، وجرى تلخيصه في تقرير مصراوي:
مجدي الجلاد يسأل توفيق عكاشة هل تسقط أنظمة عربية قبل 2030؟ والأخير بنسبة 100% pic.twitter.com/YyCbKacfWy
— مصراوي (@masrawy) January 27, 2026
في هذا الحوار يتحدث عكاشة عن «سقوط أنظمة عربية قبل ٢٠٣٠ بنسبة ١٠٠٪»، ويتوسع في تصورات عن تقسيم سوريا، وحدود إسرائيل «إلى يوم القيامة»، ورؤية أمريكا للمنطقة كملك خاص.
كل ذلك يُقدَّم على أنه «تحليل سياسي»، بينما هو في جوهره استمرار لخطاب تخويف وتضليل وتهيئة نفسية لقبول الخرائط المفروضة من الخارج.
الأدهى أن إبراهيم عيسى يدخل على الخط ليصف عكاشة بأنه «مثقف، وواعٍ، وسياسي فريد، ووطني حتى النخاع، وله حضور وأنا أحبه وأقدّر عطاؤه، وهو الوحيد اللي قدر ينزل مظاهرات الشارع»؛ مديح فجّ أثار عاصفة انتقاد على «إكس»، من سليم عزوز إلى صلاح بدوي وفهمي وغيرهم.
أمام هذا المشهد، يصبح السؤال المشروع: هل نحن أمام إعلاميين يفترض أنهم نقديون، أم أمام شبكة تلميع متبادلة بين رموز ماكينة ٣٠ يونيو، يتبادلون الأدوار في صناعة رواية واحدة تخدم السلطة نفسها؟
مجدي الجلاد… «أسئلة حرجة» بإخراج ناعم لخطاب عكاشة القديم
اختيار مجدي الجلاد لتوفيق عكاشة كأول ضيف للبودكاست ليس صدفة مهنية، بل رسالة سياسية.
الجلاد، الذي يرأس مجموعة «أونا» للصحافة والإعلام، يعرف جيدًا تاريخ ضيفه: واحد من أكثر منابر التحريض الشعبوي فجاجة في سنوات ما قبل ٣ يوليو وبعدها، وأحد من ساهموا في شيطنة الخصوم وتبرير القمع وتصنيع بيئة الكراهية التي مهّدت لانقلاب ٢٠١٣.
ومع ذلك يقدمه اليوم في إطار حوار «عقلاني»، يحتفي بـ«توقعاته الاستراتيجية» وحديثه عن خرائط المنطقة ومستقبل الأنظمة العربية.
السؤال الذي يطرحه الجلاد: «هل تسقط أنظمة عربية قبل ٢٠٣٠؟» يبدو في ظاهره استفهامًا تحليليًا، لكنه في الواقع جزء من لعبة تسويق عكاشة كـ«قارئ للمستقبل»، وإعادة تأهيله كصوت يُسمع ويُستضاف ويُشار إليه بالبنان.
حين يسمح الجلاد لعكاشة بأن يقدّم نفسه متحدثًا باسم العقل الأمريكي، ومفسرًا لخطط واشنطن، ومحللًا للثروات البشرية في نيجيريا، وموزعًا شهادات على الإمارات والسعودية وملف سد النهضة، فإنه لا يمارس الصحافة بقدر ما يمنح منصته لمنظّر قديم لخطاب السلطة، يعيد إنتاج نفس الأفكار بديكور أكثر حداثة.
خطر هذا النوع من الحوارات أنه يساوي بين «الرأي» و«الدعاية»، فيحوّل المنصة الإعلامية إلى مكبّر لصوت واحد، دون تفكيك فرضياته أو مساءلته عن دوره السابق في تسميم المجال العام.
لا أحد يسأل عكاشة عن مسؤولية الإعلام في تهيئة الناس للقبول بالتبعية وللسياسات الكارثية، بل يُترك له المجال ليتحدث عن «حرب هرمجدون» و«الدول المركزية» و«سقوط الأنظمة» وكأنه حكيم زمنه.
إبراهيم عيسى وتوفيق عكاشة… فولة مسوسة فعلاً
رد الفعل الأبرز جاء من الكاتب الصحفي سليم عزوز الذي علّق على مديح إبراهيم عيسى لعكاشة بتغريدة لاذعة: «أنتما فولة واتقسمت نصين، وكما قال أهل البادية: كل فولة مسوسة ولها كيال أعور»
أنتما فولة واتقسمت نصين
— سليم عزوز (@selimazouz1) January 29, 2026
وكما قال أهل البادية: كل فولة مسوسة ولها كيال أعور pic.twitter.com/sGWqPNDcXF
صلاح بدوي ذهب أبعد حين قرأ كلام إبراهيم عيسى على أنه إشارة خبيثة إلى أن «شطره الآخر» في حب بني إسرائيل – كما وصف – هو توفيق عكاشة، وأن عكاشة هو «المفجر الحقيقي» لما يسمى بثورة ٣٠ يونيو، لا «سيئ الذكر» وحده:
ابراهيم عاوز يقول بخبث شديد ان شطره الاخر في حب بنى اسرائيل توفيق عكاشة هو مفجر ما يسمى بثورة 30 يونيو الحقيقي وليس سيء الذكر . pic.twitter.com/66j8Kck49a
— صلاح بديوي (@bedewi110) January 29, 2026
أما فهمي فاختصر المشهد ساخرًا: «إبراهيم عيسى بيمدح توفيق عكاشة، تقريبًا بيدور على شريك»
ابراهيم عيسى بيمدح توفيق عكاشة، تقريباً بيدور على شريك
— Fahmy Man (@Fahmyyz) January 29, 2026
هذه التعليقات ليست مجرد نكات، بل قراءة سياسية لسلوك إبراهيم عيسى.
فالرجل الذي قدّم نفسه طويلًا كصوت «تنويـري» و«نقدي»، يعود اليوم ليمنح شهادة «ثقافة ووعي ووطنية» لإعلامي كان ولا يزال جزءًا عضويًا من ماكينة التحريض والتطبيع مع الفساد والقمع.
حين يقول عيسى عن عكاشة إنه «وطني حتى النخاع» و«سياسي فريد»، فهو لا يجامله شخصيًا فقط، بل يبيّض صفحة جيل كامل من إعلاميي ٣٠ يونيو الذين لعبوا دور الجلاد في حقبة الدم والخراب.
هنا يستقيم وصف «الفولة المسوسة»: إعلاميان يبدوان متناقضين ظاهريًا، أحدهما يلبس عباءة «العقلانية»، والآخر يجيد الصراخ الشعبوي، لكنهما في النهاية يخدمان السردية نفسها، وينتهيان إلى الهدف ذاته: حماية منظومة ٣ يوليو ومنحها غطاءً أخلاقيًا وإعلاميًا، كلٌ بطريقته.
إعادة تدوير رموز التسميم الإعلامي… خطورة اللحظة
ما يجري اليوم مع الجلاد وإبراهيم عيسى وتوفيق عكاشة يتجاوز حدود حلقة بودكاست أو مشهد مديح متبادل.
نحن أمام عملية منظمة لإعادة تدوير الوجوه التي لعبت أدوارًا مركزية في تدمير الوعي العام منذ عهد مبارك مرورًا بثورة يناير وصولًا إلى ٣ يوليو وما بعدها.
إعادة تقديم عكاشة – الذي سبق أن روّج نظريات مؤامرة وأسهم في شيطنة الثورة والمعارضين – كشخصية تحلل مستقبل الأنظمة العربية وترسم خرائط المنطقة، هي خطوة جديدة في مسار إغلاق المجال أمام أي خطاب بديل.
الإعلام الرسمي وشبه الرسمي يريد أن يقول للمشاهد: لا تصغوا إلى أصوات جديدة؛ من يشرح لكم العالم هم نفس من أداروا مهرجان الأكاذيب طوال السنوات الماضية.
في المقابل، يُحاصَر الصحفيون المستقلون، ويُلاحق الباحثون الجادون، وتُخنق المنصات القليلة التي تحاول أن تقدم قراءة مغايرة.
وفي هذا السياق، يصبح المشهد الذي يجلس فيه مجدي الجلاد في دور «المحاور الذكي»، ويصف فيه إبراهيم عيسى توفيق عكاشة بأنه «مثقف فريد»، تجسيدًا صارخًا لما آلت إليه المهنة: من سلطة رابعة إلى ملحق دعاية للسلطة القائمة، ومن «أسئلة حرجة» إلى أسئلة ممهّدة لخطاب جاهز، ومن نقد السلطة إلى التسابق على التقرب من أكثر رموزها ابتذالًا.
النتيجة النهائية أن المشاهد العربي يجد نفسه محاصرًا بين إعلام رسمي فج، وإعلام «نخبوي» متصالح مع الفجاجة، وشخصيات مثل عكاشة تُقدَّم له كمرشد سياسي، بينما تُهمَّش كل الأصوات التي دفعت ثمنًا غاليًا من أجل الحقيقة والكرامة والحرية.
وهنا بالتحديد تكمن خطورة ما فعله الجلاد وعيسى: لم يخطئا فقط في تقدير ضيف أو مجاملة زميل، بل شاركا بوعي أو بدون وعي في جريمة أكبر اسمها: استمرار تسميم وعي الناس… مع تغيير طفيف في الديكور.

