تراجع سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري خلال الشهور الأخيرة منح السلطة رواية جاهزة عن «تعافي العملة» و«نجاح الإصلاح»، بينما تشير قراءة الخبراء والبيانات إلى قصة مختلفة تمامًا.
فبحسب الخبير الاقتصادي هاني توفيق، فإن صعود الجنيه بنسبة لا تتجاوز 1–1.5% منذ بداية 2026 لا يعكس قوة حقيقية للاقتصاد أو تحسنًا في أوضاع العملة المحلية، بل يرتبط أساسًا بتراجع الدولار عالميًا بنحو 5–6% أمام اليورو والجنيه الإسترليني وعدد من العملات الأخرى، في ظل سياسات مالية أميركية متهورة وديون داخلية أميركية تجاوزت 39 تريليون دولار.
وفي تصريح آخر أكثر مباشرة، لخّص توفيق المشهد بقوله: «تراجع الدولار عالميًا سبب قوة الجنيه، وليس تعافي العملة المحلية أو الأموال الساخنة»، ليضع إصبعه على جوهر ما يحدث في سوق الصرف: حركة خارجية في الدولار، تُقدَّم داخليًا كمعجزة مصرية.
دولار يضعف عالميًا.. وجنيه يتجمل على الورق
خلال عام 2025، تكبّد مؤشر الدولار الأميركي (DXY) أكبر خسارة سنوية له منذ 2017، متراجعًا بنحو 9.6% ليغلق العام حول مستوى 98 نقطة فقط، في ظل توقعات متصاعدة بخفض الفائدة الأميركية وضغوط سياسية على الاحتياطي الفيدرالي، ما جعل المستثمرين يعيدون توزيع محافظهم بعيدًا عن العملة الخضراء.
هذا التراجع لا ينعكس فقط على اليورو والين والإسترليني، بل على كل العملات المرتبطة بالدولار في التسعير، ومنها الجنيه المصري، الذي تحسّن رسميًا من قرابة 51.7 جنيهًا للدولار في أبريل الماضي إلى مستويات تدور حول 48–47 جنيهًا خلال النصف الثاني من 2025 وبدايات 2026.
عمليًا، ما جرى هو أن «المسطرة» نفسها (الدولار) أصبحت أقصر، فبدت باقي العملات أطول قليلًا، دون أن يتغير خشبها ولا جودتها. حين يهبط الدولار بنحو 9–10% عالميًا، بينما تتحسن العملة المحلية أمامه بنسبة قريبة من ذلك أو أقل، فإن جزءًا كبيرًا من «القوة» الظاهرة للعملة ليس نابعًا من داخل الاقتصاد، بل من ضعف العملة المرجعية نفسها.
في المقابل، لم تُسجّل مؤشرات حقيقية على تعافٍ هيكلي: لا طفرة في الصادرات، ولا تقليص ملموس لعجز الميزان التجاري، ولا انخفاض في فاتورة خدمة الدين الخارجي، بل العكس؛ إذ تشير التقديرات إلى ارتفاع خدمة الدين الخارجي إلى نحو 45 مليار دولار سنويًا خلال 2025–2026، في اقتصاد يعتمد على الاقتراض وبيع الأصول أكثر مما يعتمد على الإنتاج والتصدير.
هاني توفيق: لا تعافٍ للجنيه ولا «معجزة» أموال ساخنة
في حواره الأخير المنشور في «المصري اليوم»، يؤكد هاني توفيق أن تحرك الجنيه المصري أمام الدولار بنسبة طفيفة منذ مطلع العام لا يرتبط بتعافٍ في الأساسيات، ولا بدخول موجة جديدة من الأموال الساخنة، بل هو انعكاس مباشر لتراجع الدولار أمام سلة من العملات العالمية.
يشير توفيق إلى أن الدولار هبط بنحو 5–6% أمام اليورو والإسترليني خلال الأشهر الماضية، بفعل نزعة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو الحروب التجارية وزيادة طباعة النقود وإصدار أذون خزانة ضخمة لتمويل دين داخلي تجاوز 39 تريليون دولار، ما ضغط على العملة الأميركية وأضعف جاذبيتها.
في السياق المصري، ينتقد توفيق إصرار الحكومة على استخدام الأموال الساخنة –الاستثمار الأجنبي في أذون وسندات الخزانة– كأداة لخفض سعر الدولار، موضحًا أن هذه الاستثمارات بلغت نحو 40 مليار دولار، لكنها لا تُعد استثمارًا حقيقيًا، بل رهانًا قصير الأجل على سعر الفائدة، يمكن أن ينقلب إلى موجة خروج مفاجئ تهز سوق الصرف في أي لحظة.
ويُذكّر بأن «تقوية الجنيه» لا تتحقق بخفض سعر الدولار إداريًا أو جذب أموال ساخنة، بل بتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر، وزيادة التصدير، وخلق فرص عمل، وخفض المديونية، وهي أمور لا تظهر في أرقام الدين العام الحالية ولا في هيكل الإنفاق العام.
فوفقًا لتوفيق، وصلت ديون الحكومة المحلية إلى نحو 12 تريليون جنيه، تلتهم خدمة الدين وحدها ما يقارب 140% من إيرادات الدولة، قبل الإنفاق على التعليم أو الصحة أو الأجور، ما يعني أن الدولة تعمل أساسًا لخدمة الدائنين لا المواطنين.
وتعزز الخبيرة الاقتصادية د. سالي صلاح الصورة نفسها بأرقام أكثر قسوة؛ إذ تضع إجمالي الدين العام الكلي عند نحو 20 تريليون جنيه، بنسبة 130% من الناتج المحلي، بينما تلتهم خدمة الدين 179% من الإيرادات، في اقتصاد فقد فيه الجنيه قرابة 80% من قوته الشرائية منذ 2016.
أصوات تحذير متقاطعة: علياء المهدي وسالي صلاح ومحمد فؤاد ومراد علي
الأكاديمية د. علياء المهدي ترى أن حالة الصعود التي يعيشها الجنيه مقابل الدولار «ليست لها أسباب موضوعية مقبولة». فصادرات مصر لم ترتفع، وعجز الميزان التجاري لم ينخفض، والتزامات مصر الخارجية لم تتراجع، بينما تعتمد الحكومة على رؤوس أموال ساخنة قُدِّرت بنحو 41 مليار دولار، يمكن أن تغادر في أي لحظة إذا تغيرت شهية المخاطرة عالميًا.
أما د. سالي صلاح، فترى أن الحكومة «تُوهِم الشعب» بانخفاض الدولار، موضحة أن المستثمرين الأجانب في أدوات الدين اشتروا الجنيه عند مستويات تقارب 50 جنيهًا للدولار، ثم يربحون اليوم فارقًا يقارب 2 جنيه لكل دولار بعد تحسنه إلى نحو 48 جنيهًا، فوق فائدة سنوية ضخمة تصل إلى 24.5%، في وقت تتحدث فيه السلطة عن «تحسن الجنيه» بينما أسعار السلع والخدمات لا تنخفض، بل تُسجّل زيادات إضافية في الكهرباء والوقود والغذاء والدواء.
الخبير الاقتصادي د. محمد فؤاد يقدّم قراءة أكثر هدوءًا، لكنه يصل إلى النتيجة نفسها تقريبًا؛ إذ يتوقع أن يتحرك سعر صرف الجنيه أمام الدولار في نطاق 47–51 جنيهًا خلال الأشهر الستة المقبلة، مؤكّدًا أن هذا النطاق يعكس توازنًا هشًّا بين عوامل داخلية وضغوط خارجية، وأن جزءًا مهمًا من «قوة الجنيه» الحالية مستمد من تراجع الدولار عالميًا لا من تحسن شامل في بنية الاقتصاد المصري.
على الضفة الأخرى، يذهب د. مراد علي إلى وصف ما يجري بأنه «وهم اقتصادي» صريح، متسائلًا: هل نشهد تحسنًا حقيقيًا للجنيه أم مجرد هبوط للدولار؟ في برامجه وتصريحاته المتكررة، يربط علي بين موجات الكلام عن «عشرات المليارات» التي ستدخل مصر وبين ارتفاع مؤقت للجنيه لبضعة أيام، قبل أن يكتشف الناس أن جزءًا كبيرًا مما رُوِّج له لم يتحقق، فيعود سعر الصرف للضغط مجددًا، وتظل الأعباء اليومية على المواطنين في صعود مستمر.
هذه الأصوات –هاني توفيق، علياء المهدي، سالي صلاح، محمد فؤاد، مراد علي– تختلف في الأسلوب والانتماء، لكنها تتفق على جوهر واحد: ما يبدو «قوة للجنيه» هو في معظمه نتيجة ضعف الدولار عالميًا، واندفاع أموال ساخنة تبحث عن عائد سريع، في اقتصاد أثقلته الديون وبيع الأصول وارتفاع الفقر، بينما تتعامل السلطة مع سعر الصرف كأداة دعاية سياسية، لا كمرآة صادقة لصحة الاقتصاد.

