تعيش مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأمريكية واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابًا منذ مقتل جورج فلويد عام 2020، وسط تصاعد غير مسبوق في التوتر بين السكان المحليين والسلطات الفيدرالية، على خلفية مقتل مواطنين أمريكيين برصاص قوات إنفاذ قوانين الهجرة والحدود، وانتشار مكثف لعناصر فيدرالية مسلحة في شوارع المدينة، في مشهد وصفته صحيفة غارديان البريطانية بأنه “يشبه حربًا أهلية مصغّرة”. وفي مقال تحليلي حاد اللهجة، اعتبرت غارديان أن ما تشهده مينيابوليس يكشف “الوجه الصريح للفاشية” في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيرة إلى أن المدينة تحولت إلى ساحة اختبار لسياسات القوة والترهيب، التي باتت تتجاوز ملف الهجرة لتطال الحريات العامة والحقوق الدستورية للمواطنين الأمريكيين أنفسهم. “كأنها لعبة حرب” يروي ديفيد سميث، رئيس مكتب غارديان في واشنطن، مشهدًا صادمًا من قلب الأحداث، حيث سمع أحد العملاء الفيدراليين يقول لزميله، بينما كانا يوجهان أسلحتهما نحو متظاهرين: “الأمر يشبه لعبة كول أوف ديوتي… مذهل حقًا، أليس كذلك؟”. هذا الوصف، بحسب الصحيفة، يلخص طبيعة التعامل الأمني مع الاحتجاجات، ويعكس عقلية عسكرية تُسقط من حسابها كون المتظاهرين مدنيين، بينهم أطفال ونساء ومراقبون قانونيون. قتلى في المكان نفسه… والذاكرة تستحضر فلويد أعادت الأحداث الدامية إلى الأذهان إرث مينيابوليس المثقل بالعنف الشرطي. ففي المكان ذاته تقريبًا الذي قُتل فيه جورج فلويد قبل خمس سنوات، سقط الممرض الأمريكي أليكس بريتي (37 عامًا) برصاص أحد عناصر دورية الحدود، وذلك أثناء احتجاجه على عمليات إنفاذ قوانين الهجرة. وقبل ذلك بأسابيع، قُتلت المواطنة الأمريكية رينيه نيكول غود في 7 يناير/كانون الثاني، في حادثة مشابهة، ما فاقم الغضب الشعبي وفتح الباب أمام مقارنات مباشرة مع أسوأ فصول العنف الشرطي في التاريخ الحديث للمدينة. مدينة تحت “احتلال فيدرالي” تشير تقارير صحفية إلى أن إدارة ترامب نشرت نحو ثلاثة آلاف عنصر من إدارة الهجرة والجمارك ووكالة حماية الحدود في مينيسوتا، وهو عدد يفوق مجموع أفراد أكبر عشرة أجهزة أمنية محلية في الولاية مجتمعة. ووفق التحليل، فإن وجود عناصر مدججين بالسلاح، يرتدون أقنعة وسترات واقية، حوّل شوارع المدينة إلى ما يشبه منطقة عسكرية، حيث تم الاعتداء على سياسيين محليين، واعتقال مراقبين قانونيين دون توجيه تهم، واستخدام الغاز المسيل للدموع الذي أدى إلى اختناق أطفال، فضلًا عن سحب مواطنين من سياراتهم واستجوابهم ميدانيًا. الأخطر، بحسب غارديان، أن مجرد تصوير العناصر الفيدرالية بات سببًا كافيًا لتصنيف المواطن على أنه “إرهابي داخلي”. “عقاب جماعي” ومدن ديمقراطية في مرمى الاستهداف يرى محللون أن ما يحدث في مينيابوليس ليس إجراءً أمنيًا معزولًا، بل جزء من سياسة ممنهجة تستهدف المدن التي يقودها الديمقراطيون، وسكانها من ذوي البشرة السوداء والمجتمعات المهاجرة، في إطار ما وصفته الصحيفة بـ”العقاب الجماعي السياسي”. وتُعد مينيسوتا، التي خسرها ترامب مرارًا في الانتخابات، نموذجًا لهذا النهج، خاصة أنها تضم أكبر تجمع صومالي في الولايات المتحدة، وتمثلها شخصيات سياسية بارزة مثل النائبة إلهان عمر، إضافة إلى رمزيتها في حراك “حياة السود مهمة”. احتجاجات تتسع… وغضب شعبي متصاعد خرج مئات المتظاهرين إلى شوارع مينيابوليس وسانت بول، رافعين لافتات “العدالة لأليكس”، ومرددين هتافات تطالب بإخراج قوات الهجرة من الولاية. وقال سكان محليون إن الصدمة لا تكمن فقط في مقتل بريتي، بل في الإحساس بأن “أي شخص كان يمكن أن يكون مكانه”، على حد تعبير أحد المحتجين، في ظل انتشار أمني يعتبره كثيرون تعسفيًا وعشوائيًا. قلق في البيت الأبيض وانقسام داخل الحزب الجمهوري بحسب موقع بوليتيكو، يعيش البيت الأبيض حالة قلق حقيقي من التداعيات السياسية للأحداث، خاصة بعد تراجع شعبية ترامب في ملف الهجرة، حتى بين بعض مناصريه. وأظهرت استطلاعات رأي أن أكثر من نصف الأمريكيين يعارضون تعريض حياة المتظاهرين للخطر من أجل تطبيق قوانين الهجرة، فيما حذّر مشرعون جمهوريون من فقدان وزارة الأمن الداخلي مصداقيتها. وفي مؤشر على تصاعد الخلافات، أعلن مرشح جمهوري لمنصب حاكم مينيسوتا انسحابه من السباق، احتجاجًا على سياسات الإدارة، معتبرًا أنها بثت الخوف بين المواطنين على أساس لون بشرتهم ولهجتهم. أوباما وكلينتون: “دافعوا عن القيم” خرج الرئيسان الأمريكيان السابقان باراك أوباما وبيل كلينتون عن صمتهما، داعين الأمريكيين إلى “الاستيقاظ” و”الوقوف” دفاعًا عن القيم الديمقراطية، بعد مقتل شخصين على يد الشرطة الفيدرالية في مينيابوليس. واتهم كلينتون إدارة ترامب بالكذب بشأن ملابسات الوفيات، فيما حذر أوباما من أن القيم الأساسية للولايات المتحدة تتعرض لهجوم مباشر.
تراجع تكتيكي أم مناورة سياسية؟ في ظل تصاعد الضغط، أجرى ترامب مكالمة هاتفية مع حاكم مينيسوتا الديمقراطي تيم والز، وصفها الطرفان بأنها “مثمرة”، وتحدث البيت الأبيض عن احتمال تقليص الوجود الفيدرالي في الولاية. غير أن هذا التحول في النبرة يتناقض مع تصريحات سابقة لمسؤولي الإدارة، الذين وصفوا الضحايا بـ”الإرهابيين الداخليين”، ودافعوا عن العناصر الفيدرالية قبل انتهاء أي تحقيقات مستقلة. https://www.youtube.com/watch?v=9_s1sIfGIW8

