بينما تُرهق فواتير الكهرباء جيوب المصريين كل شهر، كاشفة زيادات متتالية لا ترحم محدودي ومتوسطي الدخل، تكشف الأرقام الرسمية عن مفارقة صادمة: وزارة الكهرباء مدينة لوزارة البترول بأكثر من 390 مليار جنيه حتى نهاية ديسمبر 2025، نظير الغاز والوقود اللازمين لتشغيل محطات الكهرباء.

 

مديونية قفزت بنحو 30 مليار جنيه في ثلاثة أشهر فقط، وسط حديث حكومي مكرر عن "أعباء الدعم" وضرورة تحميل المواطن المزيد من التكلفة، دون أن يجرؤ أحد على الإجابة عن السؤال الأخطر: إذا كانت الفواتير ترتفع، والدعم يتقلص، فلماذا تغرق الكهرباء في هذه الجبال من الديون؟ وأين تذهب حصيلة أموال المواطنين؟

 

هذا التقرير يحاول تفكيك المشهد، وقراءة ما وراء أرقام الوقود والغاز، وكيف تحولت شبكة الكهرباء إلى ثقب أسود يبتلع المال العام وأموال المشتركين معًا، بينما يدفع المواطن ثمن الفشل مرتين: مرة في الفاتورة، ومرة في انقطاع الخدمة أو تهديده الدائم بالمزيد من الزيادات.

 

فواتير تثقل كاهل الناس ومديونيات تتضخم: معادلة مختلة

 

بحسب المصدر الحكومي، قفزت مديونية وزارة الكهرباء لصالح وزارة البترول إلى أكثر من 390 مليار جنيه نهاية 2025، بعدما ارتفعت خلال الربع الأخير وحده بنحو 30 مليار جنيه، حيث بلغت فاتورة الوقود الشهرية لمحطات الكهرباء حوالي 22 مليار جنيه، لم يُسدَّد منها سوى 12 مليارًا، بينما أضيفت 10 مليارات جنيه شهريًا إلى جبل الديون المتراكم.

 

هذا يعني ببساطة أن قطاع الكهرباء لا يسدد كامل تكلفة الوقود رغم رفع الأسعار على المواطنين عامًا بعد عام. فلو كانت زيادات الأسعار تذهب فعلًا إلى سد الفجوة وسداد المستحقات، لما استمرت المديونيات في التفاقم بهذا الشكل.

 

ما يجري يكشف خللًا هيكليًا في إدارة القطاع: أموال الفواتير لا تكفي، أو لا تُوجَّه كما يجب، أو تُستخدم في سد ثقوب أخرى داخل منظومة مترهلة تعاني من سوء تخطيط، وفساد محتمل، وهدر في الاستثمارات والمشروعات.

 

وعلى الجانب الآخر، تُستخدم لغة "العجز" و"المديونية" كذريعة جاهزة لتبرير كل زيادة جديدة على المستهلك، بينما لا تُطرح على الطاولة أسئلة الشفافية:

 

  • كم تبلغ إيرادات بيع الكهرباء فعليًا؟
  • ما حجم الفاقد في الشبكة بسبب تهالك البنية وغياب الصيانة؟
  • ما نصيب المشروعات العملاقة والعقود المبالغ فيها من هذه الفاتورة؟

 

بدلًا من محاسبة المسؤول عن هذه الفوضى المالية، يتم تحميل المواطن وحده مسؤولية إنقاذ قطاع أُدير لسنوات بمنطق "اصرف ما في الجيب يأتِك ما في الغيب".

 

غاز مدعوم على الورق.. وفاتورة حقيقية بالدولار

 

تُظهر الأرقام أيضًا أن الغاز الطبيعي يغطي ما بين 83 و85% من الوقود المستخدم في محطات إنتاج الكهرباء التقليدية، بعد أن كان يصل إلى 87% في الصيف، فيما يُستكمل الباقي بالمازوت كبديل عند نقص الغاز.

 

على الورق، تُحاسب وزارة الكهرباء بسعر 4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية من الغاز الذي تحصل عليه يوميًا.

لكن خلف هذا الرقم "الجميل" تكمن حقيقة أكثر قسوة: جزء معتبر من هذا الغاز يأتي عبر الاستيراد من الخارج بأسعار تتراوح بين 12 و14 دولارًا لكل مليون وحدة حرارة للغاز المسال.

 

بمعنى أوضح، تدفع الدولة (أي المال العام) أضعاف السعر الذي تُحاسب به وزارة الكهرباء، ثم تُطالب الأخيرة بسداد مديونياتها، فتدور الحلقة الجهنمية ذاتها:

 

  • استيراد غاز غالٍ بالدولار.
  • بيع الكهرباء للمواطن بسعر يرتفع باستمرار بحجة "تكلفة الإنتاج".
  • استمرار "فجوة" بين ما يُدفع فعليًا وما يُحصَّل نظريًا.
  • تراكم ديون على الورق يمكن استخدامها سياسيًا وإعلاميًا لتبرير المزيد من الضغط على الناس.

 

في ظل هذا الخلل، يصبح السؤال مشروعًا: هل تُدار ثروات الغاز والمزيج الوقودي لصالح المواطن، أم لصالح شبكة مصالح وشركات وعقود مبهمة؟

 

وإذا كان الإنتاج المحلي من الغاز يبلغ نحو 4.2 مليار قدم مكعبة يوميًا، في حين يصل الاستهلاك إلى 6.9 مليار قدم مكعبة في الصيف و6.2 مليارًا في الشتاء، فلماذا لم تُبنَ منذ سنوات خطة جادة لترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة المحطات وتقليل الفاقد، بدل الاستمرار في سياسة "استورد الآن وادفع لاحقًا"؟

 

اجتماعات حكومية ووعود فضفاضة.. ولا إجابة عن سؤال الشفافية

 

في 25 يناير الجاري، عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعًا لمتابعة "توافر التمويل لمشروعات الكهرباء ودعم الشبكة القومية واستيعاب الطاقات المتجددة" إلى جانب مناقشة مديونيات الكهرباء لدى الجهات الحكومية.

 

اللغة المستخدمة في مثل هذه الاجتماعات باتت مكررة: "متابعة ـ دعم ـ استيعاب ـ حل مشكلات ـ تنسيق بين الوزارات".

لكن ما لا يُطرح أبدًا هو كشف الحساب الحقيقي أمام الرأي العام: من المسؤول عن إيصال مديونيات الكهرباء إلى 390 مليار جنيه؟ وما هو جدول زمني واضح لسدادها دون أن يتحول المواطن إلى "حصالة" مفتوحة بلا قاع؟

 

إذا كان التشابك المالي بين البترول والكهرباء هو المشكلة، فلماذا لم يُحسم منذ سنوات؟ ولماذا لا تُعلن تفاصيل "فض التشابك" رقميًا وبشفافية؟ وما نصيب الجهات الحكومية الأخرى المتأخرة عن السداد من هذه الفوضى، بدل الاكتفاء بالضغط على المواطنين الذين لا خيار لهم سوى الدفع أو قطع الخدمة؟

 

الحقيقة أن السؤال الجوهري اليوم ليس فقط: كيف تسدد الكهرباء ديونها للبترول؟

بل: كيف تُدار أموال الكهرباء أصلًا؟

من فواتير ترتفع، وديون تتضخم، واستيراد مكلف، إلى استثمارات ضخمة في محطات ومشروعات لم تُناقَش تكلفتها أو جدواها بشكل علني أمام الشعب الذي يدفع الثمن.

 

في النهاية، لا يمكن قبول أن يبقى المواطن رهينة سياسة مالية غامضة، يُطلب منه أن يشد الحزام بينما لا أحد يجرؤ على فتح ملفات الإنفاق، والعقود، وإدارة الموارد.

 

390 مليار جنيه ليست مجرد رقم في بيان حكومي، بل مرآة لنموذج اقتصادي يجعل من الكهرباء مشروعًا للجباية بلا شفافية، بدل أن تكون خدمة عامة تُدار بكفاءة لصالح الناس لا على حسابهم.