في اليوم الـ104 على التوالي من سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تتواصل الخروقات الإسرائيلية بشكل يومي، لتؤكد أن الهدنة المعلنة لم تتحول إلى واقع آمن على الأرض، بل باتت غطاءً هشًّا لمشهد مركب من القتل البطيء والمعاناة الإنسانية المتفاقمة، في ظل حصار خانق وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية والمعيشية.
خروقات ميدانية وإصابات متواصلة
فجر الجمعة، شهدت مناطق واسعة من قطاع غزة إطلاق نار مكثف وقصفًا مدفعيًا من قبل قوات الاحتلال، استهدف شرقي مدينة غزة، وشرقي دير البلح وسط القطاع، وشرقي خان يونس جنوبًا. وأصيب مواطن فلسطيني بنيران طائرة مسيّرة إسرائيلية في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، في حادثة تضاف إلى سلسلة طويلة من الاعتداءات التي تطال المدنيين في مناطق يفترض أن الجيش الإسرائيلي انسحب منها بموجب الاتفاق.
وأفادت مصادر طبية بإصابة المواطن معزوز أبو حدايد برصاص الاحتلال شرقي خان يونس، حيث وُصفت حالته بالمتوسطة، بينما أُصيب الشاب أنس حافظ جندية (25 عامًا) في قدمه برصاص طائرة مسيّرة في حي الشجاعية، رغم أن المنطقة مصنفة ضمن مناطق الانسحاب.
وتواصل قوات الاحتلال إطلاق النار بشكل عشوائي قرب ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، في انتهاك مباشر لبنود المرحلة الثانية من الاتفاق، التي دخلت حيّز التنفيذ دون أن تجد طريقها للتطبيق الفعلي على الأرض.
ومنذ بدء وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الماضي، أسفرت هذه الخروقات عن استشهاد ما يقارب 500 فلسطيني، وإصابة أكثر من 1300 آخرين، في حصيلة تعكس استمرار نزيف الدم رغم الإعلان عن التهدئة.
البروتوكول الإنساني… بند معطل وكارثة متفاقمة
على الصعيد الإنساني، يواصل الاحتلال تعطيل البروتوكول الإنساني المنصوص عليه في الاتفاق، عبر منع إدخال معدات الإيواء والمساعدات الأساسية لمئات آلاف النازحين، الذين يعيشون في خيام مهترئة لا تقي برد الشتاء ولا تحمي من الأمطار والرياح العاتية.
هذا المنع تزامن مع منخفضات جوية قاسية ضربت القطاع، ما أدى إلى وفاة العشرات، بينهم أطفال، نتيجة البرد القارس وانهيار الملاجئ المؤقتة. وأكد الدفاع المدني الفلسطيني وفاة 25 مواطنًا، بينهم ستة أطفال، جراء تداعيات الأحوال الجوية، إضافة إلى انهيار 18 بناية سكنية بشكل كامل، وتضرر أكثر من 110 بنايات جزئيًا.
رضيع ضحية البرد والحصار
في واحدة من أكثر الصور قسوة، توفي الرضيع يوسف عمر أبو حمالة (ستة أشهر) داخل خيمته في منطقة مواصي خان يونس، نتيجة البرد الشديد. وبوفاته، ترتفع حصيلة وفيات الأطفال بسبب البرد منذ بداية فصل الشتاء إلى 11 طفلًا، في ظل شح المساعدات وغياب وسائل التدفئة وانعدام الوقود.
وتعكس هذه الحادثة واقعًا إنسانيًا مأساويًا يعيشه آلاف الأطفال والنازحين، الذين باتوا عرضة للموت بسبب ظروف لا علاقة لها بساحة المعركة، بل بالحصار ومنع الإغاثة.
غزة ساحة وباء: متحور كورونا يطرق الأجساد المنهكة
بالتوازي مع القتل الميداني والموت بسبب البرد، يواجه قطاع غزة خطرًا صحيًا غير مسبوق، مع انتشار واسع لمتحور جديد من فيروس كورونا، أكثر شراسة وتأثيرًا، وفق ما أكده مدير عام مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية.
وأوضح أبو سلمية أن المستشفيات تشهد تزايدًا كبيرًا في حالات الإصابة بأعراض تنفسية حادة، تشمل التهابات صدرية شديدة وضيق تنفس وارتفاعًا كبيرًا في درجات الحرارة، في ظل ضعف مناعة السكان نتيجة المجاعة وسوء التغذية.
وأشار إلى أن أقسام العناية المكثفة تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، وسط نقص حاد في الأدوية والمضادات الحيوية وأجهزة التنفس، محذرًا من كارثة صحية وشيكة إذا استمر هذا الوضع دون تدخل عاجل.
من جهته، أكد رئيس قسم الأطفال في مجمع ناصر الطبي أحمد الفرا تسجيل تفشٍ واسع للأمراض التنفسية بين الأطفال، خصوصًا الالتهابات الرئوية الحادة، مع تجاوز نسب الإشغال في عنايات الأطفال الحدود الآمنة، في ظل غياب اللقاحات الأساسية، وعلى رأسها لقاح الإنفلونزا الموسمي.
بيئة ملوثة ومناعة منهارة
وتسهم عوامل أخرى في تفاقم الأزمة الصحية، أبرزها انتشار مياه الصرف الصحي المكشوفة، وتكدس النفايات، وتدمير البنية التحتية، ما خلق بيئة مثالية لتكاثر الفيروسات والبكتيريا. كما أن العيش في خيام مكتظة يسرّع انتقال العدوى داخل العائلات، ويضاعف خطورة الإصابات.
ويحذر الأطباء من أن كثيرًا من المرضى يصلون إلى المستشفيات وهم مصابون بأكثر من مرض في آن واحد، ما يعجّل بتدهور حالتهم الصحية، في ظل نقص حاد في وسائل التشخيص والعلاج.
أسرى غزة… تعذيب مستمر خلف القضبان
وفي موازاة المأساة داخل القطاع، كشف "مكتب إعلام الأسرى" أن نحو 2000 أسير من غزة لا يزالون يتعرضون للتعذيب والتنكيل داخل سجون الاحتلال، رغم وقف إطلاق النار.
وأشار إلى أن أكثر من 14 ألف فلسطيني اعتُقلوا منذ بدء حرب الإبادة، فيما استشهد 51 أسيرًا معلومي الهوية نتيجة التعذيب وسوء المعاملة.
وأكد المكتب أن الأسرى يعانون من التجويع، وسحب الأغطية، ومنع مواد النظافة، والانتهاكات الدينية، ما أدى إلى تدهور أوضاعهم الصحية بشكل خطير، وسط صمت دولي مطبق.
تحذيرات أممية ومناشدات عاجلة
بدوره، حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" من أن المنخفضات الجوية الأخيرة فاقمت معاناة نحو 4000 أسرة نازحة، بعد تضرر أو تدمير ملاجئهم، مؤكدًا أن القيود الإسرائيلية على إدخال مواد الإيواء والمساعدات تعرقل أي استجابة إنسانية فعالة.
ودعا المكتب إلى السماح الفوري وغير المشروط بإدخال المساعدات، وضمان حماية المدنيين وفق القانون الدولي الإنساني.

