قبل أسابيع من دخول رمضان 2026، يخرج مسؤولو الشعب التجارية على الشاشات ليقدّموا الوصفة المعتادة:
تحذير «لطيف» من زيادات متوقعة في أسعار الدواجن والخضروات، مع ترديد أسطوانة «الطلب الموسمي» و«التهافت على الشراء»، ثم رمي الكرة في ملعب المواطن: لا تخزّن، لا تتهافت، اشترِ على قد احتياجك.
لكن خلف هذا الخطاب الناعم، تتشكل صورة أكثر قسوة يرسمها خبراء الغذاء والأمن الغذائي: دولة تتفرّج على السوق وهي تلتهم ما تبقّى من القوة الشرائية للناس، وتكتفي بمعارض موسمية وشعارات «أهلاً رمضان»، بينما تتصاعد تكلفة البروتين والخضروات إلى مستويات تهدد الصحة العامة وتحوّل مائدة رمضان إلى عبء ثقيل لا يتحمله ملايين المصريين.
تحذيرات من ارتفاع الدواجن والخضر… واتهام المستهلك بدل ضبط السوق
رئيس شعبة الدواجن عبد العزيز السيد يتحدث بأرقام تبدو في ظاهرها مطمئنة: طاقة إنتاجية تصل إلى 1.6 مليار دجاجة، وسعر في المزرعة عند حدود 53 جنيهاً للكيلو، مع توقع «زيادة جزئية» بسبب التدفئة الشتوية وزيادة استهلاك رمضان والتحصينات في ظل انتشار الأمراض الوبائية.
في المقابل، يقدّم حاتم النجيب، نائب رئيس شعبة الخضروات والفاكهة، نصائح للمواطنين: لا تخزنوا خضارًا وفاكهة بكميات كبيرة، اشتروا احتياجاتكم اليومية فقط، الأسعار ترتفع في أول يوم رمضان بسبب التهافت ثم تعود لطبيعتها. الحديث كله يدور حول سلوك المستهلك، بينما يغيب تمامًا السؤال الحقيقي: أين أدوات الدولة لضبط الأسعار ومواجهة المضاربات؟
هنا يتدخل صوت خبير الغذاء الدكتور نادر نور الدين – أستاذ الأراضي والمياه بجامعة القاهرة ومستشار وزير التموين الأسبق – الذي حذر مرارًا من أن موجات رفع الأسعار والخدمات «تلتهم مخصصات الغذاء في ميزانية الأسرة»، مؤكداً أن الحكومة «ظلمت المواطنين جدًا وكفاية رفع لأسعار الخدمات»، لأن كل زيادة في الخدمات تعني خصمًا مباشرًا من بند الطعام على مائدة المصريين.
نور الدين يلفت أيضًا إلى مفارقة خطيرة: أسعار الغذاء عالميًّا بدأت في التراجع أو الاستقرار، بينما تواصل الارتفاع في مصر بشكل غير مبرَّر، ما يعني أن المشكلة ليست «قدَرًا عالميًّا»، بل سياسات محلية فاشلة تترك المواطن تحت رحمة الأسواق بلا حماية حقيقية.
خبراء الغذاء: ترك الأسواق بلا ضابط «جريمة اجتماعية» تضرب صحة المصريين
إذا كانت تصريحات مسؤولي الشعب التجارية تبرر ارتفاع الأسعار بـ«التدفئة» و«زيادة الاستهلاك»، فإن خبراء الغذاء يرون أن الخطر أعمق بكثير من مجرد موجة موسمية.
الدكتور أحمد سليمان، أستاذ تغذية الحيوان بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني بوزارة الزراعة، يربط بين القفزات في أسعار اللحوم والدواجن وبين تراجع حصة المصري من البروتين الحيواني إلى حدود 17 جرامًا يوميًا فقط، وهو رقم متدنٍّ جدًّا مقارنة بالمعايير العالمية؛ ما ينعكس مباشرة على المناعة والصحة العامة ومقاومة الأمراض.
ويصف سليمان ارتفاع أسعار اللحوم بـ«القفزات الجنونية غير المبررة»، مؤكداً أن نصف الحل على الأقل يبدأ من تشريح أسباب التكلفة الحقيقية بدلاً من تحميل المستهلك وحده النتيجة.
سليمان يشير إلى أن الاعتماد «المستسهل» على الذرة الصفراء والصويا المستورَدَين كمدخلات أعلاف أساسية، مع تجاهل بدائل محلية جرى اختبارها ونجحت اقتصاديًا، يجعل السوق رهينة للدولار وتقلبات الاستيراد، ويحوّل كل أزمة عملة إلى كارثة أسعار على طبق المصريين.
في هذه الأجواء، يصبح الحديث عن «نصائح بعدم التخزين» نوعًا من الهروب من المسؤولية:
- لا سقوف أسعار مؤقتة في المواسم.
- لا قبضة حقيقية على المضاربات وجشع الحلقات الوسيطة.
- لا رؤية متكاملة لربط دعم المنتجين (مزارع، مزارع دواجن، مربّي مواشي) بحماية المستهلك.
خبراء الغذاء يحذرون من أن استمرار هذه المعادلة يعني شيئًا واحدًا: تجريف ما تبقّى من ثقافة الغذاء الصحي في المجتمع، ودفع الناس قسرًا إلى أنماط غذائية فقيرة بديلة عن البروتين والخضار الطازج، بكل ما يترتب على ذلك من أنيميا وسوء تغذية وأمراض مزمنة.
رمضان تحت رحمة الأعلاف والمواسم… ونقيب الفلاحين يقرع جرس الإنذار
بينما تكتفي الحكومة بعرض أرقام الإنتاج ووعود «معارض أهلاً رمضان»، تأتي تحذيرات من قلب الحقل ذاته. حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين والخبير الزراعي، حذّر مؤخرًا من قفزة جديدة في أسعار الطماطم قد تمتد حتى نهاية رمضان، موضحًا أن انتهاء العروة الشتوية وتأخر طرح العروة الجديدة يخلقان فجوة في المعروض تدفع الأسعار للارتفاع إلى مستويات 15–20 جنيهًا للكيلو، وربما أكثر، في ظل غياب تدخل حكومي فعّال.
تحذير أبو صدام الشهير: «الحقوا خزنوا طماطم قبل رمضان» لم يكن نكتة في «السوشيال ميديا»، بل اعتراف صريح من رأس نقابة الفلاحين بأن الدولة فشلت في إدارة موسم محصول أساسي، وتركت المصريين يواجهون سلعة استراتيجية في مطبخهم دون حماية.
إذا جمعنا الصورة الكاملة:
- سوق دواجن مرتبط بالأعلاف والدولار أكثر من ارتباطه بدخل المواطن.
- خضروات وفواكه بلا سقوف سعرية ولا رقابة جدية، تُركِّز على الوزن والفاتورة لا على هوامش الربح والمضاربة.
- فلاحون يحذرون من مواسم نقص وارتفاعات، بلا استجابة حقيقية في سياسات التخزين أو التعاقد المسبق أو دعم مدخلات الإنتاج.
هكذا يدخل المصري إلى رمضان 2026 وهو ليس أمام «مائدة رحمة»، بل أمام موسم استغلال موسمي يتكرر كل عام: الحكومة تنصح، التجار يرفعون، والخبراء يحذّرون… لكن من يدفع الفاتورة في النهاية هو المواطن الذي يرى طبق البروتين يتقلّص، وطبق السلطة يتقلّب مع أسعار الطماطم، بينما يتحول شهر الصيام والتكافل إلى اختبار قاسٍ جديد لقدرة الأسرة على الصمود أمام غلاء لا رقيب له ولا سقف.

