كشفت الشبكة المصرية  لحقوق الإنسان عن واقعة مأساوية جديدة داخل سجن أبو زعبل (2)، بعدما أقدم نزيل شاب، محبوس على ذمة قضية جنائية، على إنهاء حياته شنقًا داخل زنزانة التأديب، في حادثة هزّت السجن وأعادت فتح ملف أوضاع الاحتجاز القاسية وغرف التأديب سيئة السمعة.

 

ووفقًا لما وثقته الشبكة المصرية، وقعت الحادثة يوم الثلاثاء الموافق 20 يناير، حين عُثر على النزيل وقد فارق الحياة داخل زنزانته، بعد أن استخدم قطعًا من قماش البطانية المخصصة لنومه لشنق نفسه في باب غرفة التأديب، وذلك نتيجة معاملة قاسية وغير إنسانية، وانهيار نفسي حاد لم يجد معه أي استجابة أو تدخل لإنقاذه.

 

صرخات استغاثة بلا مجيب

 

بحسب الشهادات التي حصلت عليها الشبكة المصرية من داخل السجن، فإن النزيل قضى ساعات طويلة من يوم الحادثة في الصراخ والاستغاثة، مطالبًا بمقابلة رئيس مباحث السجن، ومناشدًا إخراجه من زنزانة التأديب، بعدما تدهورت حالته النفسية والمعنوية بشكل واضح.

 

وأكدت الشهادات أن صوته كان مرتفعًا ومسموعًا لمن حوله من نزلاء وحراس، وأنه عبّر صراحة عن خوفه وانهياره ونيته إنهاء حياته إذا استمر احتجازه في تلك الظروف، إلا أن كل تلك النداءات قوبلت بتجاهل تام.

 

ومع مرور الوقت، خفتت صرخاته بشكل مفاجئ، قبل أن ينتبه النزلاء والحراس إلى توقفه تمامًا، ليُكتشف لاحقًا أنه قد شنق نفسه داخل الزنزانة. وعلى إثر ذلك، جرى استدعاء سيارة إسعاف، ونُقل الجثمان إلى أحد المستشفيات، كما تم إخطار أسرته بوفاته.

 

وأشارت الشبكة المصرية إلى أنها لم تتمكن حتى الآن من الوصول إلى اسم النزيل أو بياناته الشخصية.

 

عقوبة لم يحتملها

 

وبحسب المعلومات الموثقة، كان النزيل محتجزًا داخل زنزانة التأديب منذ عدة أيام، وذلك عقب قرار صادر عن رئيس مباحث السجن، على خلفية خلاف أو إجراء عقابي تم اتخاذه الأسبوع الماضي.

 

وأوضحت الشبكة أن إيداعه غرفة التأديب كان نقطة التحول الأخطر في حالته النفسية، حيث لم يحتمل القسوة والعزلة والظروف اللاإنسانية التي تُفرض داخل هذه الغرف، ما أدى في النهاية إلى انهياره الكامل.

 

وفي أعقاب الواقعة، تم استدعاء النيابة العامة لمعاينة الجثمان وغرفة التأديب، وأمرت بنقل الجثمان إلى أحد المستشفيات لاستكمال الإجراءات القانونية.

 

شهادات عن “جحيم التأديب”

 

وفي هذا السياق، نقلت الشبكة المصرية شهادة معتقل سابق قضى فترة داخل غرف التأديب بسجن أبو زعبل (2)، وصف فيها تلك الغرف بأنها “جحيم حقيقي لا يصلح لاحتجاز البشر”.

 

وأوضح أن غرف التأديب شديدة الضيق، لا تتسع إلا لشخص واحد، مظلمة، كريهة الرائحة، ولا يوجد بها أي منفذ للتهوية سوى باب حديدي يُغلق بإحكام، ويطل على ممر يضم غرفًا مماثلة تعاني من نفس الروائح الخانقة.

 

وأضاف أن هذه الغرف تخلو تمامًا من دورات المياه، ما يضطر النزلاء لاستخدام أوعية بلاستيكية لقضاء حاجتهم، في ظروف مهينة وقاسية، فضلًا عن انعدام أي متطلبات إنسانية أساسية، باستثناء بطانية واحدة تُستخدم للنوم أو للتغطية، وهي ذاتها التي قد تتحول — كما في هذه الواقعة — إلى أداة للموت.

 

نمط متكرر من الانتهاكات

 

وأكدت الشبكة المصرية أنها وثقت، على مدار السنوات الماضية، عشرات الحالات من الانهيار النفسي الحاد بين نزلاء تم إيداعهم غرف التأديب، سواء في سجن أبو زعبل أو غيره من أماكن الاحتجاز، مشيرة إلى أن هذه الغرف تمثل بيئة خصبة لتدمير الصحة النفسية، وتدفع المحتجزين إلى حافة اليأس والانتحار.

 

وشددت الشبكة على أن واقعة انتحار النزيل الشاب ليست حادثًا فرديًا أو معزولًا، بل تأتي في سياق نمط متكرر من المعاملة القاسية، وغياب الرقابة الفعالة، وتجاهل الاستغاثات والتحذيرات، ما يثير تساؤلات خطيرة حول مسؤولية إدارة السجن، وواجبها القانوني والإنساني في حماية أرواح المحتجزين.

 

وطالبت الشبكة المصرية بفتح تحقيق جاد وشفاف في ملابسات الواقعة، ومحاسبة المسؤولين عن تجاهل استغاثات النزيل، وعن إيداعه غرفة التأديب دون مراعاة حالته النفسية، إلى جانب ضرورة مراجعة أوضاع غرف التأديب، ووقف استخدامها كأداة للعقاب القاسي الذي يهدد حياة المحتجزين.