في توقيت حساس يتزامن مع محاولات القاهرة تحسين صورتها الحقوقية أمام المجتمع الدولي، عاد ملف "سجناء الرأي السابقين" ليطفو على السطح بقوة، ولكن هذه المرة ليس من زاوية الاعتقال، بل من زاوية "ما بعد الإفراج".

فقد أثار بيان مشترك وقعه ثلاثة من أبرز خبراء الأمم المتحدة المستقلين تساؤلات قانونية وإنسانية عميقة حول جدوى قرارات "العفو الرئاسي" أو "إخلاء السبيل" إذا كانت متبوعة بسلسلة من القيود التي تحيل حياة المفرج عنهم إلى سجن كبير ومفتوح.

 

البيان الصادر عن المقررين الخواص المعنيين بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، وحرية الرأي، ومكافحة الإرهاب، لم يكتفِ برصد الوقائع، بل شخص حالة من "الاستهداف المستمر" عبر أدوات إدارية وقضائية، أبرزها المنع من السفر، تجميد الأصول، والإدراج المتجدد على قوائم الإرهاب.

هذا "الحصار اللاحق للسجن" بات يشكل نمطًا عقابيًا منهجيًا يفرغ قرارات الإفراج من مضمونها، ويضع المدافعين عن حقوق الإنسان في حالة من الشلل التام، عاجزين عن ممارسة حياتهم المهنية أو الشخصية أو حتى التنقل بحرية، مما دفع الخبراء لمطالبة السلطات المصرية بوضع حد فوري لهذه الممارسات التي تتناقض مع المعايير الدولية وتوصيات مجلس حقوق الإنسان.

 

العفو الرئاسي وقوائم الإرهاب.. مفارقة "البراءة المشروطة"

 

لعل أخطر ما كشفه التقرير الأممي هو تلك المفارقة الصارخة بين "إرادة العفو" و"إجراءات التخوين".

وتتجسد هذه المفارقة بوضوح في حالة المحامي الحقوقي البارز محمد الباقر. فبينما استقبل المجتمع الحقوقي خبر العفو الرئاسي عنه في عام 2023 بارتياح نسبي، جاء الواقع ليصدم الجميع بأن العفو عن العقوبة السالبة للحرية لم يشمل "العفو عن الوصم بالإرهاب".

 

أشار الخبراء بصدمة واضحة إلى أن الباقر، الذي قضى سنوات في السجن بتهم تتعلق بنشر أخبار كاذبة، ظل اسمه مدرجًا على قوائم الكيانات الإرهابية والمنع من السفر.

والأكثر إثارة للقلق هو ما حدث قبيل انتهاء فترة إدراجه الأولى بيوم واحد، حيث تم تمديد الإدراج لخمس سنوات إضافية دون تقديم أي أدلة جديدة تبرر هذا التصنيف، ودون مراعاة لحقيقة أن رأس الدولة قد أصدر عفوًا عنه.

 

هذا التناقض ينسحب أيضًا على حالة الباحث سمير عبد الحي، الذي اعتُقل لمجرد اهتمامه الأكاديمي بدراسة قوانين الإجهاض.

ورغم حصوله هو الآخر على عفو رئاسي في منتصف 2022، لا تزال السلطات الأمنية تمنعه من السفر بدعوى "حماية الأمن القومي".

وهنا يطرح الخبراء تساؤلًا جوهريًا: إذا كان هؤلاء الأفراد يشكلون خطرًا على الأمن القومي يستدعي منعهم من الحركة، فلماذا صدرت بحقهم قرارات عفو رئاسية من الأساس؟

وهل باتت قرارات العفو مجرد إجراء شكلي لتهدئة الضغوط الخارجية بينما تستمر الأجهزة الأمنية في التعامل معهم كـ"مدانين"؟

 

الحصار الاقتصادي والإداري.. سياسة "الموت المدني"

 

انتقل بيان الخبراء من الشق الأمني إلى الشق المعيشي، مسلطًا الضوء على ما يمكن وصفه بـ"الموت المدني" الذي يواجهه نشطاء المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (جاسر عبد الرازق، كريم عنارة، ومحمد بشير).

هؤلاء الحقوقيون الذين اعتُقلوا في "نوفمبر الأسود" عام 2020، وجدوا أنفسهم بعد الإفراج عنهم (تحت ضغط دولي واسع) محاصرين بقرارات تجميد الأصول والمنع من السفر.

 

ويرى المراقبون أن استخدام "تجميد الأموال" كأداة عقابية يهدف بالأساس إلى تجفيف منابع العمل الحقوقي، وإشغال المدافعين عن حقوق الإنسان بمعارك قانونية وشخصية لا تنتهي من أجل تدبير نفقات معيشتهم اليومية، بدلًا من التركيز على نشاطهم العام.

ورغم أن القانون المصري يتيح التظلم من هذه القرارات، إلا أن الواقع العملي الذي رصده الخبراء يؤكد أن المسار القضائي غالبًا ما ينتهي إلى طرق مسدودة، حيث تُرفض التظلمات وتبقى القيود سارية لأجل غير مسمى.

هذا النوع من العقوبات يحول الحقوقي إلى "مواطن من الدرجة الثانية"، ممنوع من التصرف في ماله، وممنوع من مغادرة بلاده، ومهدد في أي لحظة بإعادة تدويره في قضايا جديدة.

 

ترسانة "مكافحة الإرهاب" تحت مجهر الانتقاد الدولي

 

في سياق أوسع، وضع الخبراء الأمميون (ماري لولور، إيرين خان، وبن سول) أيديهم على الجرح التشريعي، منتقدين استخدام قوانين "مكافحة الإرهاب" الفضفاضة والمبهمة لتجريم العمل الحقوقي السلمي.

فالسهولة التي يتم بها وصم المدافعين عن حقوق الإنسان بـ"الإرهاب" باتت تشكل تهديدًا منهجيًا لسيادة القانون في مصر.

 

ويأتي هذا البيان ليعزز الضغوط التي تواجهها القاهرة في المحافل الدولية، وتحديدًا بعد المراجعة الدورية الشاملة الأخيرة بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث تلقت مصر أكثر من 370 توصية.

هذه التوصيات لم تكن مجرد ملاحظات عابرة، بل غطت مساحة واسعة من الانتهاكات، بدءًا من التدوير والاعتقال التعسفي، مرورًا بالإخفاء القسري والتعذيب، ووصولًا إلى التشريعات المعيبة في قانون الإجراءات الجنائية.

 

الرسالة التي يحملها هذا التقرير واضحة: العالم لم يعد يكتفي بمشاهدة "لحظة خروج السجين من بوابة السجن"، بل بات يراقب "حياته بعد الأسوار".

وإن استمرار هذه القيود الانتقامية يفرغ أي حديث رسمي عن "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان" أو "الحوار الوطني" من مضمونه الحقيقي، مؤكدًا أن أزمة حقوق الإنسان في مصر هي أزمة بنيوية في القوانين والممارسات، وليست مجرد حالات فردية يتم حلها بقرارات عفو استثنائية.