قدّمت لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، مذكرة قانونية موسعة إلى النائب العام، تطالب فيها بالإفراج الفوري عن جميع المحبوسين احتياطيًا على خلفية قضايا رأي، ممن تجاوزت فترات حبسهم الحد الأقصى الذي حدده قانون الإجراءات الجنائية، معتبرة أن استمرار احتجازهم يمثل بطلانًا قانونيًا صريحًا وانتهاكًا واضحًا لضمانات العدالة.
مبادرة مدنية موسعة تحت شعار «مصر بلا سجناء رأي»
وتأتي هذه الخطوة في إطار تحركات «لجنة الدفاع عن سجناء الرأي»، وهي مبادرة أُطلقت في نوفمبر الماضي، بمشاركة عدد من الأحزاب والحركات السياسية وأكثر من 50 شخصية عامة، إلى جانب أسر معتقلين، تحت شعار «مصر بلا سجناء رأي».
وتهدف المبادرة إلى توحيد الجهود المدنية والقانونية من أجل إنهاء ملف الحبس على خلفية حرية التعبير والعمل العام، والمطالبة بإطلاق سراح المحبوسين وضمان أوضاع احتجاز تتفق مع أحكام القانون والدستور.
وأكدت اللجنة أن تحركها يستند إلى نصوص قانونية واضحة لا تحتمل التأويل، وتشدد على أن الحبس الاحتياطي إجراء استثنائي لا يجوز تحويله إلى عقوبة مقنّعة أو وسيلة لإطالة أمد الاحتجاز خارج إطار الشرعية.
تفاصيل تسليم المذكرة وتعطيل الدخول
وفي هذا السياق، قال المحامي بلال حبيب، أحد الموقعين على المذكرة، إن مقدمي الطلب واجهوا عراقيل أثناء محاولة تسليم المذكرة، حيث امتنع الأمن المكلف بتأمين مكتب النائب العام عن السماح لهم بالدخول لما يقرب من ساعتين ونصف، رغم الطابع القانوني والرسمي للتحرك.
وأضاف أن الضغط المتواصل أسفر في النهاية عن السماح لثلاثة فقط من أصل 17 موقعًا على المذكرة بالدخول، حيث التقوا النائب العام المساعد وسلموه نص المذكرة، وهم الناشطة الحقوقية ماجدة رشوان، والمحامي الحقوقي أحمد قناوي، ومؤسس الجمعية الوطنية للتغيير عبد الجليل مصطفى.
توقيعات سياسية وحقوقية بارزة
وحملت المذكرة توقيع عدد من الشخصيات السياسية والعامة، من بينهم رئيس مجلس أمناء الحركة المدنية الديمقراطية أحمد بهاء شعبان، والمعارض السياسي أحمد الطنطاوي، والناشط أحمد دومة، إلى جانب عدد من المحامين وأسر المحبوسين احتياطيًا، ما يعكس اتساع نطاق الدعم السياسي والحقوقي للمطلب.
سند قانوني واضح وبطلان الحبس
وأكدت المذكرة أن قانون الإجراءات الجنائية حدّد مدد الحبس الاحتياطي بوضوح، إذ لا يجوز أن تتجاوز مدته عامين في القضايا المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد، و18 شهرًا في الجنايات، و6 أشهر في الجنح. وشددت على أن تجاوز هذه المدد يؤدي قانونًا إلى سقوط أمر الحبس تلقائيًا، ما يجعل استمرار احتجاز المتهمين باطلًا وغير مشروع.
ولفتت اللجنة إلى أن عددًا من المحبوسين يعانون مما وصفته بـ«التدوير»، أي إعادة حبس المتهم على ذمة قضايا جديدة بذات الوقائع أو وقائع مماثلة بعد انتهاء مدة حبسه، مؤكدة أن القانون يحظر صراحة محاكمة الشخص عن الفعل نفسه مرتين، أو التحايل على مدد الحبس بإعادة توجيه الاتهامات تحت أوصاف قانونية جديدة.
الحبس الاحتياطي: إجراء استثنائي لا عقوبة
وجددت المذكرة التأكيد على مبدأ قانوني مستقر، وهو أن الحبس الاحتياطي يظل إجراءً احترازيًا استثنائيًا، لا يجوز استخدامه كبديل للعقوبة، مطالبة النيابة العامة باللجوء إلى التدابير الاحترازية المنصوص عليها قانونًا كلما انتفت ضرورة الحبس، خاصة في قضايا الرأي التي لا تنطوي على عنف أو تهديد للأمن العام.
نداء للعدالة والاستقرار المجتمعي
ووجّه الموقعون على المذكرة نداءً مباشرًا إلى النائب العام، دعوه فيه إلى تغليب روح العدالة وإعلاء قيم الاستقرار المجتمعي، مؤكدين أن سعيهم ينطلق من «حق نعتقده وعدل نبتغيه»، في وطن «بات مكلومًا في خيرة شبابه وأهل الفكر وذوي الرأي فيه».
وشددت المذكرة على أن المصلحة الحقيقية للمجتمع تكمن في الحفاظ على تماسكه الاجتماعي والأسري، ورفع المعاناة عن الزوجات والأمهات والأبناء، محذّرة من استمرار حالة القلق والترقب التي تخيّم على آلاف الأسر، والتي وصفتها بأنها من عوامل الهدم لا البناء.
مطالب بالموازنة بين التحقيق والحقوق الإنسانية
وطالب الموقعون بضرورة تحقيق توازن حقيقي بين مقتضيات التحقيق الجنائي وضمانات الحرية الشخصية، مؤكدين ثقتهم في النيابة العامة بوصفها جهازًا قضائيًا غايته الأساسية حماية الحق وضبط إيقاع العدالة، لا تكريس الاحتجاز المطوّل.
سياق حقوقي متكرر
ويأتي هذا التحرك امتدادًا لمطالبات حقوقية سابقة، حيث سبق أن دعت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في أكتوبر الماضي، إلى مراجعة شاملة لملف الحبس الاحتياطي، وتحويل جلسات التجديد إلى آلية رقابة قضائية فعلية، بدلًا من كونها إجراءً روتينيًا لتمديد الحبس، مع التأكيد على احترام دور النيابة العامة كسلطة تحقيق لا كجهة عقابية.
ويعيد هذا التحرك إلى الواجهة الجدل المستمر حول ملف سجناء الرأي والحبس الاحتياطي في ظل مطالب متصاعدة بإنهاء هذا الملف بما ينسجم مع القانون والدستور، ويضع حدًا لمعاناة إنسانية وقانونية طال أمدها.

