أطلقت سناء عبدالجواد، زوجة القيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد البلتاجي، صرخة استغاثة جديدة كشفت فيها عن انقطاع أخبار زوجها منذ عدة أشهر، محذّرة مما وصفته بـ"أوضاع إنسانية قاسية ومهينة" داخل سجن بدر – قطاع 3، حيث يحتجز المئات من المعارضين السياسيين.
النداء الذي نشرته عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي أعاد إلى الواجهة ملف سجن بدر، الذي تقدّمه السلطات بوصفه "نموذجًا حديثًا للإصلاح"، بينما تتحدث شهادات الأسر والمنظمات الحقوقية عن كونه واحدًا من أكثر السجون قسوة في مصر ما بعد الانقلاب.
غياب تام للمعلومات عن مصير البلتاجي ونقله الغامض للمستشفى
في منشورها، أكدت سناء عبدالجواد أن أسرتها "لا تعلم أي شيء عن حالة محمد البلتاجي منذ أشهر"، موضحة أن آخر ما وصلهم هو أنه تم إبعاده إلى مكان احتجاز منفرد وبعيد عن باقي السجناء، قبل أن يتسرّب إليهم لاحقًا خبر نقله إلى مستشفى السجن، دون أي إخطار رسمي، أو تمكين للأسرة أو المحامين من الاطلاع على حالته الصحية أو أسباب نقله.
هذا الغموض في مصير أحد أبرز رموز المعارضة المصرية، والذي أمضى أكثر من عقد خلف القضبان عقب الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي عام 2013، يثير مخاوف جدية من تعرّضه لانتكاسة صحية حادّة أو معاملة عقابية مضاعفة. وتؤكد عبدالجواد أن الأسرة لا تعرف إن كان البلتاجي قادرًا على الحركة أو الكلام، ولا إن كان يتلقى علاجًا مناسبًا من عدمه، في ظل توقّف الزيارات ومنع أي تواصل مباشر منذ فترة طويلة.
ويُعد هذا الحرمان الكامل من المعلومات خرقًا فاضحًا لأبسط المعايير القانونية، إذ يفترض أن تُبلَّغ الأسرة والمحامون بأي نقل للمحتجز إلى المستشفى أو أي تغيّر في حالته الصحية، خاصة إذا كان من كبار السن أو من أصحاب السجلات المرضية، وهو ما يزيد من الشكوك حول ما يُمارس داخل أروقة السجن من انتهاكات بعيدة عن أعين الرقابة والقضاء.
https://www.facebook.com/snaa.abdalgwad/posts/3204789109726238?ref=embed_post
شهادات عن أجواء قهر وبرد ومرض في "سجن بدر الحديث"
سناء عبدالجواد لم تتوقف عند حالة زوجها، بل أشارت إلى أن ما يجري في بدر 3 "ظاهرة عامة" لا تقتصر على سجين بعينه، متحدثة عن تكرار حالات الوفاة بين المحتجزين، وازدياد ملحوظ في أعداد المصابين بأمراض خطيرة، وفي مقدمتها السرطان، إلى جانب انتشار معاناة البرد الشديد بعد سحب الأغطية والملابس الثقيلة من النزلاء مع دخول فصل الشتاء.
وبحسب روايتها، فإن أغلب السجناء في هذا القطاع هم من كبار السن والمرضى، ما يجعلهم أكثر عرضة لتدهور سريع في حالتهم الصحية إذا حُرموا من التدفئة أو الرعاية الطبية المنتظمة. وتشدد على أن ما يتعرضون له يمثل "قسوة غير مبررة وانتهاكًا صارخًا لأبسط معايير الإنسانية خلف الأسوار"، متسائلة: "أي قسوة هذه؟ وأي إنسانية تُنتهك داخل السجون؟".
ويأتي ذلك في تناقض صارخ مع الصورة الرسمية التي روّجت لها السلطات عند افتتاح مجمّع سجون بدر، باعتباره نقلة نوعية نحو "سجون ذكية وحديثة"، فيما تتراكم الشهادات من ذوي المعتقلين ومحامين وحقوقيين لتكشف عن منظومة تقوم على الحبس الانفرادي المطوّل، والحرمان من الشمس والهواء، ومنع الكتب والزيارات، واستخدام البرد والحرمان من الدواء كأدوات عقاب ممنهج لكسر إرادة السجين السياسية والإنسانية على حد سواء.
وفي ظل انعدام الشفافية وغياب رقابة مستقلّة من منظمات حقوقية أو هيئات دولية، يبقى ما يجري داخل بدر 3 وغيره من السجون "صندوقًا أسود" تتحكم فيه وزارة الداخلية وحدها، بينما يتحمل السجناء وعائلاتهم ثمن هذه السياسات القاسية.
ملف البلتاجي.. من ملاحقات سياسية إلى خطر الموت البطيء خلف الجدران
الدكتور محمد البلتاجي ليس سجينًا عاديًا؛ فهو من أبرز القيادات السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، وواحد من الوجوه البارزة في ثورة يناير وما بعدها، وقد حُوكم في عشرات القضايا ذات الطابع السياسي بعد الثالث من يوليو 2013، وصدر بحقه عدد من الأحكام القاسية، في مناخ تتحدث فيه منظمات دولية عن غياب ضمانات المحاكمة العادلة، وتسييس واسع للقضاء في قضايا المعارضين.
طوال سنوات سجنه، تكررت نداءات أسرته ومحاميه ومنظمات حقوق الإنسان بشأن تدهور حالته الصحية وحرمانه من العلاج المناسب، لكن دون استجابة جدّية من سلطات الانقلاب التي تواصل نهج "التشديد الانتقامي" على السجناء السياسيين البارزين. ومع التقدم في العمر والظروف القاسية داخل الزنازين، تتضاعف مخاطر التعرض لجلطات أو أمراض قلبية أو مضاعفات مزمنة، في ظل غياب نظام طبي حقيقي داخل السجون، واستسهال إدارة السجون نقل أي حالة إلى "مستشفى داخلي" يفتقر في كثير من الأحيان إلى الأجهزة والأطقم اللازمة.
نداء سناء عبدالجواد الأخير يسلّط الضوء على هذا الخطر، ليس في حالة البلتاجي وحده، بل في مصير عشرات وربما مئات من كبار السن والمرضى الذين تُحوّلهم سياسات وزارة الداخلية إلى "رهائن بطيئين للموت"، من خلال الاحتجاز الانفرادي ومنع الزيارات وتقييد الاتصالات وترك الأمراض تنهش أجسادهم بلا رحمة.
وفي الوقت الذي تصر فيه حكومة الانقلاب على تلميع صورة سجونها في الخارج عبر حملات علاقات عامة، وتستضيف وفودًا رسمية لزيارة منشآت منتقاة بعناية، تتراكم في المقابل شهادات الداخل لتقول إن الواقع شيء مختلف تمامًا؛ واقع يسوده الإهمال الطبي، وغياب التدفئة، وسحب الأغطية والملابس، واستخدام العزلة كعقاب، في انتهاك واضح للدستور المصري نفسه وللالتزامات الدولية للبلاد.
رسالة سناء عبدالجواد، التي ختمتها بالتأكيد على أن "الظلم لا يدوم" وأن ما يجري "مرصود ومعلوم"، ليست مجرد شكوى عائلية، بل وثيقة إدانة أخلاقية وسياسية لنظام اختار أن يدير خلافه مع معارضيه عبر الزنازين الباردة والمستشفيات المغلقة، بدلًا من الحوار والمصالحة والعدالة. وفي غياب أي تحرك جاد من مؤسسات الدولة، تبقى أعين أسر المعتقلين معلّقة على ضمير المجتمع والرأي العام، علّ صرخاتهم تكسر جدار الصمت وتضع نهاية لدوامة الموت البطيء خلف أسوار سجن بدر وغيره من سجون الانقلاب.

