لم يعد تحويل القاهرة الخديوية إلى "مولد سياحي" مجرد خطة اقتصادية، بل أصبح "فيروسًا" ينتشر في شرايين العاصمة، يحول كل مبنى حكومي وجراج عام إلى فندق فاخر، بينما تُترك المدينة القديمة تختنق تحت وطأة الزحام والتغلغل الأجنبي.

 

إعلان محافظ القاهرة عن تحويل جراج الأوبرا إلى فندق سياحي وتحويل مباني الوزارات بوسط البلد إلى فنادق ليس "استغلالًا أمثلًا" كما يُروّج، بل هو بيع للأصول العامة وتفكيك للهوية الحضرية، تحت شعار "جذب الاستثمارات"، بينما الحقيقة هي تسليم المفاتيح للمستثمرين الأجانب وتشريد المواطنين من قلب عاصمتهم.

 

جراج الأوبرا.. من خدمة عامة إلى "ذهب أجنبي"

 

يقول الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، إن المبنى الإداري لجراج الأوبرا سيتم تحويله إلى فندق سياحي "عالمي"، وذلك بعد إخلائه بالكامل باستثناء المحال التجارية.

 

الجراج الذي كان يخدم آلاف المواطنين يوميًا في منطقة وسط البلد، سيصبح الآن "غرفًا فندقية" للأجانب، بينما تُترك المدينة بدون بدائل مواصلات حقيقية.

 

د. سالي صلاح، خبيرة التخطيط الاستراتيجي، ترى أن هذا النوع من "الاستثمار" ليس سوى "استعمار اقتصادي مُقنّع".

 

فبدلًا من تطوير البنية التحتية لخدمة المصريين، يتم تخصيص الأصول العامة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، مع تقديم حوافز ضريبية وأرضية مجانية، فيما يُترك المواطن يدفع ثمن "التنمية" من جيبه.

 

وتضيف: "الدولة تبيع الأصول التي بنيت بعرق المصريين، وتُعيد تسمية العجز بالشراكة مع القطاع الخاص".

 

مباني الوزارات.. بيع الهوية باسم "الاستغلال الأمثل"

 

أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن مباني الوزارات التي انتقلت إلى العاصمة الإدارية ستُحوّل إلى فنادق فاخرة، مع تخصيص شوارع المشاة فقط في المنطقة.

 

المشروع يستهدف إضافة 2600 غرفة فندقية و1200 شقة فندقية في قلب القاهرة الخديوية، بما يحقق "عائدًا اقتصاديًا" للدولة.

 

لكن د. مراد علي، أخصائي الاستثمار والاستراتيجيات، يرى أن هذا "العائد" هو وهم اقتصادي يخفي خسارة استراتيجية.

 

يقول: "نحن نقوم بعملية تضخيم لتقدير أهمية الدخل السياحي، بينما نتجاهل أن تحويل المباني الحكومية إلى فنادق يعني تفكيك الدولة المركزية وبيع رموزها التاريخية".

 

ويضيف أن الاستثمار السياحي يجب أن يكون مكملًا للاقتصاد، لا بديلًا عنه، وأن تحويل كل شيء إلى "غرفة فندقية" يعني تحويل مصر إلى "دولة خدمات" تابعة للسياحة الأجنبية.

 

القاهرة التاريخية.. بين "الترميم" و"التغريب"

 

تبرر الحكومة خطتها بأنها جزء من "مشروع تطوير القاهرة الخديوية"، الذي يشمل تجديد واجهات 300 عقار وتطوير 5 ميادين.

 

لكن عصام عبد الشافي، الباحث في العلوم السياسية، يرى أن "التطوير" الحقيقي هو تغيير الديموغرافيا وإخراج المصريين من وسط العاصمة.

 

يقول: "الدولة تُعيد رسم هوية المدينة لصالح طبقة سياحية أجنبية، بينما يُترك المواطن المصري خارج السور".

 

ويضيف عبد الشافي أن تحويل مباني الوزارات إلى فنادق ليس مجرد قرار اقتصادي، بل هو قرار سياسي يهدف إلى "تفريغ وسط البلد من طابعه الحكومي والشعبي، وتحويله إلى "جيتو" للأثرياء والسائحين، ما يُمهّد لتغلغل أجنبي غير مسبوق في قلب العاصمة".

 

ويحذر من أن "القاهرة التاريخية ستصبح مجرد "ديكور" للفنادق، بينما تُهمل احتياجات السكان الحقيقيين".

 

وأخيرا فتحويل جراج الأوبرا ومباني الوزارات إلى فنادق ليس "استغلالًا أمثلًا"، بل هو بيع للهوية وتهجير للمواطنين من قلب عاصمتهم. فبدلًا من تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات للمصريين، تُخصص الأصول العامة لجذب الاستثمارات الأجنبية، في مشهد يعكس عجزًا اقتصاديًا وسياسيًا عن إدارة الدولة.

 

القاهرة التاريخية لا تحتاج إلى "فيروس فنادق" يخنقها، بل إلى رؤية وطنية تحمي هويتها وتخدم شعبها، قبل أن تصبح مجرد "غرفة فندقية" في كتالوج الاستثمار الأجنبي.