أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع معدل البطالة في مصر إلى 6.2٪ في الربع الرابع من عام 2025، في واحد من أدنى المستويات المسجَّلة منذ عقود. على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد تبدو الصورة وردية: بطالة منخفضة، نمو “مقبول”، ومؤشرات رسمية تؤكد أن الأمور “تسير في الاتجاه الصحيح”.
لكن في الشارع شيء آخر تمامًا؛ فالفقر يتسع، والأسعار تشتعل، والوظائف المستقرة تختفي، ووزير الصناعة نفسه يتحدث عن إغلاق نحو 400 مصنع. هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تعبّر نسبة 6.2٪ عن تحسن حقيقي في حياة الناس، أم أنها مجرد رقم جميل يُستخدم لتلميع مشهد اقتصادي مأزوم؟
1. أرقام لامعة في اقتصاد مُنهَك
من السهل على أي حكومة أن ترفع رقمًا على الشاشة وتقدمه كدليل نجاح، لكن الأصعب هو تغيير الواقع اليومي للمواطن. انخفاض البطالة إلى 6.2٪ يبدو إنجازًا على الورق، لكن هل يشعر به الشاب الذي يطارد وظيفة منذ سنوات؟ أو الموظف الذي يملك عقدًا شكليًا وراتبًا لا يكفي نصف الشهر؟
المؤشرات الاجتماعية الأخرى – مثل ارتفاع معدلات الفقر، وتآكل القدرة الشرائية نتيجة موجات التضخم، وازدياد الاعتماد على التحويلات الخارجية – تقول عكس ما تقوله الخطابات الرسمية. عندما يعيش ملايين المصريين على حافة العوز، يصبح الحديث عن “معدلات بطالة تاريخية” أقرب إلى السخرية من معاناة الناس.
هنا لا يكون الإشكال في صحة الرقم الإحصائي فقط، بل في طريقة استخدامه سياسيًا. يتم اقتطاع مؤشر واحد وتقديمه كبطولة، بينما يتم تجاهل الصورة الكاملة: ضعف الاستثمار المنتج، تراجع الصناعة، وتزايد الديون، وكلها عوامل تضرب أساس أي سوق عمل حقيقي.
2. بطالة تتراجع على الورق.. بينما المصانع تُغلق والناس تخرج من السوق
أحد التفسيرات الأساسية لتراجع البطالة هو خروج أعداد كبيرة من المصريين من قوة العمل أصلًا؛ كثيرون توقفوا عن البحث عن وظيفة بعد سنوات من الفشل، أو انتقلوا إلى أعمال مؤقتة وغير رسمية لا تظهر في الإحصاءات. هؤلاء لا يُسجَّلون كعاطلين، وبالتالي ينخفض معدل البطالة، بينما الواقع أن سوق العمل نفسه ينكمش.
في الوقت نفسه، يعلن وزير الصناعة عن إغلاق نحو 400 مصنع. ما معنى ذلك؟
عمال يفقدون وظائفهم المستقرة.
أسر كاملة تُلقى في المجهول: إما بطالة مقنّعة، أو عمل يومي هش بلا أي حماية.
جزء من هؤلاء قد يهاجر، أو ينتقل لعمل غير رسمي، أو ببساطة يتوقف عن البحث عن عمل.
في كل هذه الحالات، لا يظهرون في الرقم الرسمي الذي تتباهى به الحكومة. بالعكس، خروجهم من قوة العمل يدفع بالمعدل إلى أسفل، ليبدو وكأن الأمور تتحسن، بينما الحقيقة أن الاقتصاد يفقد قدرته الإنتاجية مع كل مصنع يُغلق وكل عامل يُقصى.
هذا التناقض الفاضح بين خطاب “انخفاض البطالة” وبين اعتراف رسمي بإغلاق مئات المصانع يضعف مصداقية أي حديث عن تحسن سوق العمل. كيف تنخفض البطالة بينما يغلق الاقتصاد واحدًا من أهم مصادر التشغيل الحقيقي؟ الإجابة الأقرب: الأرقام لا تعكس الواقع، بل تعكس طريقة حساب ضيقة لا ترى إلا من يبقى داخل التعريف الرسمي للعاطل.
3. من تجميل المؤشرات إلى مواجهة الأزمة: ما الذي يحتاجه الناس فعلًا؟
المواطن لا يأكل “معدل بطالة 6.2٪”، ولا يدفع إيجار بيته بالبيانات الصحفية. ما يهمه هو: هل يجد وظيفة محترمة؟ هل راتبه يكفي؟ هل يستطيع أن يعالج أولاده إذا مرضوا؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها المؤشرات الرسمية التي يتم انتقاؤها بعناية لتخدم رواية واحدة: أن الحكومة “تسيطر على الوضع”.
إذا كان هناك صدق في مواجهة الأزمة، فالأولوية يجب أن تكون:
وقف نزيف إغلاق المصانع عبر سياسات صناعية تحمي المنتجين الصغار والمتوسطين من الغرق في الديون وتكاليف الإنتاج والضرائب والرسوم.
تحويل العمل غير الرسمي إلى رسمي من خلال حوافز حقيقية، وليس مجرد مطاردة ضريبية تزيد من هروب الناس خارج المنظومة.
رفع جودة الوظائف لا مجرد عددها، بحيث يحصل العامل على أجر يكفي للحياة الكريمة وتأمين اجتماعي يحميه من المرض والشيخوخة.
الشفافية في عرض الأرقام؛ لا يكفي إعلان معدل بطالة منخفض، بل يجب نشر معدلات العمل الناقص، ونسب من خرجوا من قوة العمل، والفروق بين بطالة الشباب والنساء وباقي الفئات.
من دون ذلك، سيظل الحديث عن “أدنى معدل بطالة منذ عقود” مجرد عنوان دعائي؛ رقم يلمع في نشرات الأخبار بينما يتدهور حال الناس في الواقع. انخفاض البطالة الحقيقي ليس حين يتراجع المؤشر على الورق، بل حين يشعر المواطن أن حياته أصبحت أقل قسوة، وأن فرصه في عمل كريم تزداد لا تتبخّر مع كل مصنع يُغلق وكل أسرة تنزلق خطوة أخرى نحو الفقر.

