تفاقمت المخاوف داخل الأوساط الطبية بمحافظة الإسكندرية عقب إعلان إصابة عدد من الممرضات العاملات في أقسام رعاية وعزل مرضى الدرن داخل مستشفى صدر المعمورة بالدرن الرئوي، في واقعة أعادت تسليط الضوء على أوضاع السلامة المهنية وإجراءات مكافحة العدوى داخل المؤسسات الصحية التي تتعامل مع الأمراض المعدية عالية الخطورة.
وتقول الممرضات من العاملات في المستشفى إن إصابتهما جاءت خلال أداء عملهما اليومي داخل أقسام رعاية مرضى الدرن، مرجعتين العدوى – وفق روايتهما – إلى نقص إجراءات الوقاية الشخصية ووسائل الحماية داخل بيئة العمل.
أعراض بدأت بكحة مستمرة
وروت الشيماء كمال، وهي ممرضة تعمل في قسم رعاية مرضى الدرن، تفاصيل رحلتها مع المرض منذ ظهور الأعراض الأولى. وأوضحت أنها عانت من كحة متواصلة وارتفاع في درجة الحرارة لم يستجب للعلاج بالمضادات الحيوية، ما دفعها لإجراء أشعة على الصدر كشفت عن وجود ارتشاح وسوائل على الرئة.
وأضافت أنه تم سحب عينة من السوائل لإجراء التحاليل اللازمة، إلى جانب إجراء أشعة مقطعية أكدت وجود كمية كبيرة من السوائل استدعت التدخل الطبي لسحبها بالكامل، وجرى – بحسب روايتها – سحب نحو 800 سنتيمتر مكعب من السوائل وإرسال العينات للفحص داخل المستشفى وخارجه.
وأشارت إلى أن النتائج الأولية لم تُظهر بكتيريا محددة رغم وجود التهابات واضحة، ما دفع الفريق الطبي إلى اقتراح إجراء منظار صدري للحصول على عينات مباشرة من أنسجة الرئة، خاصة أنها تعمل داخل قسم الدرن منذ أكتوبر 2023، وهو ما يزيد – وفق روايتها – من احتمالية تعرضها لعدوى مهنية.
فحوصات وتحاليل حاسمة
ذكرت الممرضة أنها دخلت المستشفى في الرابع من فبراير الجاري بعد تدهور حالتها، واستمرت الأعراض دون تحسن، قبل أن توصي لجنة المناظير بإجراء فحوص إضافية، وفي العاشر من فبراير خضعت لمنظار صدري تم خلاله سحب عينات لتحليل «جين إكسبيرت» المتخصص في الكشف عن بكتيريا الدرن.
وأوضحت أنه قبل ظهور نتيجة التحليل الجيني، حرر الطبيب المسؤول تقريرًا بتحسن حالتها والتوصية بخروجها من المستشفى، إلا أنها – بحسب قولها – رفضت المغادرة بعد علمها بإيجابية النتيجة، وطلبت بدء بروتوكول العلاج فورًا.
وتؤكد الممرضة أن إصابتها ترتبط بطبيعة عملها داخل قسم رعاية مرضى الدرن، مشيرة إلى ما وصفته بنقص التهوية المناسبة وغياب معدات الحماية الشخصية الكافية، فضلًا عن استخدام الكمامة الواحدة لفترات طويلة قد تصل إلى 12 ساعة، إضافة إلى وجود أماكن تغيير الملابس الشخصية داخل نطاق العنبر، ما يزيد من احتمالات التعرض للعدوى.
وطالبت هي وزميلاتها بفتح تحقيق شامل في ملابسات ما وصفنه بوجود قصور في تطبيق إجراءات مكافحة العدوى، وتوفير بيئة عمل آمنة للأطقم الطبية بما يضمن استمرار تقديم الخدمة للمرضى دون تعريض العاملين للخطر.
تحذيرات من خلل في منظومة مكافحة العدوى
من جانبه، علّق خبير الوبائيات ووكيل وزارة الصحة الأسبق الدكتور مصطفى جاويش على الواقعة عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرًا أن إصابة عدد من الممرضات بعدوى الدرن «يشير إلى فشل منظومة التحكم في العدوى».
مخاوف حقوقية وتوثيق لحالات إضافية
في السياق ذاته، أعربت المفوضية المصرية للحقوق والحريات عن قلقها مما وصفته بوجود قصور جسيم في تدابير مكافحة العدوى والسلامة المهنية داخل مستشفى صدر المعمورة، خاصة في قسم عناية الدرن.
وأشارت المفوضية إلى توثيق تشخيص ثلاث ممرضات بالدرن الرئوي مع الاشتباه في حالة رابعة من أصل 11 ممرضًا وممرضة بالقسم، رغم تحذيرات سابقة من نقص مستلزمات الوقاية وضعف إجراءات الحماية.
وبحسب بيان المفوضية، جرى نقل الحالات المؤكدة إلى العزل، من بينها ممرضة تعاني من مرض السرطان وأخرى في الخامسة والعشرين وثالثة في الثلاثين ولديها طفلان صغيران، فيما يستمر باقي الطاقم المشتبه بإصابته في العمل وسط مخاطر صحية، مع بدل مخاطر محدود لا يتجاوز عشرات الجنيهات وخصومات مالية كبيرة عند الغياب.
ضغط العمل وغياب التجهيزات
وأكدت المفوضية أن قسم عناية الدرن بالمستشفى يخدم ثلاث محافظات هي الإسكندرية ومطروح والبحيرة، ما يجعله تحت ضغط شديد وازدحام مستمر، مع استقبال حالات تعاني من أمراض مناعية وفيروسية معدية.
كما وثقت – وفق بيانها – قصورًا في منظومة الفحص والمتابعة الطبية للعاملين، حيث تقتصر بعض الفحوص على تحاليل محددة دون إجراء مسح شامل للأمراض المعدية، إضافة إلى نقل أفراد من طاقم العناية للعمل في أقسام أخرى، وهو ما قد يزيد من احتمالات انتقال العدوى.
وأشارت الشهادات الواردة في البيان إلى غياب نظام التهوية بالضغط السلبي داخل القسم، ونقص أجهزة التنفس الصناعي، ما يضطر الممرضات إلى استخدام التهوية اليدوية في بعض الحالات، وهو ما يعرضهن مباشرة للرذاذ المحمل بالبكتيريا، إلى جانب نقص الكمامات عالية الكفاءة وملابس الوقاية.
مطالب بإجراءات عاجلة
واعتبرت المفوضية أن هذه الوقائع تمثل – حال ثبوتها – انتهاكًا للحق في بيئة عمل آمنة، ومخالفة لقوانين السلامة والصحة المهنية، فضلًا عن الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية العاملين في القطاع الصحي.
وطالبت وزارة الصحة بالتدخل الفوري للتحقيق في الوقائع المعلنة، وإغلاق قسم عناية الدرن مؤقتًا لتجهيزه بأنظمة ضغط سلبي وغرف آمنة لتغيير الملابس، إلى جانب تحمل الدولة تكاليف علاج الممرضات المصابات وصرف تعويضات عادلة لهن.
كما دعت إلى إجراء مسح طبي شامل لجميع العاملين بالمستشفى بشكل دوري، ورفع بدل العدوى والمخاطر بما يتناسب مع طبيعة العمل في أقسام الأمراض المعدية، وتوفير الدعم القانوني والمادي للأطقم التمريضية.

