الأرقام التي كشفتها وزيرة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية في السودان سليمى إسحاق لا تصف مجرد انتهاكات متفرقة، بل ترسم ملامح جريمة واسعة النطاق تُستخدم فيها أجساد النساء كساحة حرب موازية لساحات القتال. رصد نحو 1844 حالة عنف جنسي على مستوى البلاد، مع تقديرات رسمية بأن العدد الحقيقي قد يتجاوز 2500 حالة بعد أحداث الفاشر، يعني أن ما يجري ليس مجرد انحرافات فردية، بل نمط ممنهج يرتبط بخرائط السيطرة العسكرية وحركة المليشيات. في هذا السياق، لا تبدو النساء مجرد ضحايا عرضيات للحرب، بل أهداف مباشرة في استراتيجية ترويع المجتمعات وكسر إرادتها وإعادة تشكيل تركيبتها الديموغرافية والاجتماعية.
هذه المعطيات تضع المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية أمام اختبار حقيقي: هل يظل العنف الجنسي في السودان مجرد بند في تقارير دورية، أم يتحول إلى قضية طارئة تُعامل بوصفها جريمة حرب وجرائم ضد الإنسانية تستوجب ملاحقة ومحاكمة المسؤولين عنها، وتوفير حماية عاجلة ومكثفة للنساء في مناطق النزاع؟
أرقام مفزعة: من 1844 حالة موثقة إلى تقديرات تتجاوز 2500 بعد الفاشر
تبدأ خطورة المشهد من حجم الأرقام التي أعلنتها الوزيرة: رصد حوالي 1844 حالة عنف جنسي على مستوى السودان، وهي حصيلة أولية تستند إلى بلاغات رسمية وتقارير موثقة، في بلد تنهار فيه الأجهزة الإدارية والقانونية في مناطق واسعة بسبب الحرب، ما يعني أن الرقم الحقيقي لا بد أن يكون أعلى بكثير. الأخطر أن النائب العام في ولاية الفاشر سجل وحده أكثر من 1300 حالة عنف جنسي، وصلت بلاغاتها حتى مدينة الدبة في الولاية الشمالية، بعد سيطرة مليشيا الدعم السريع على الفاشر أواخر أكتوبر، ما يكشف عن ارتباط مباشر بين تمدد المليشيا وتفجر موجة الانتهاكات.
حين تعلن وزيرة مسؤولة أن التقديرات الواقعية قد تتجاوز 2500 حالة بعد أحداث الفاشر فقط، فهذا اعتراف بأن ما كُشف حتى الآن ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد. ثقافة الوصمة، الخوف من الانتقام، انهيار مؤسسات العدالة، وتشتت الأسر النازحة، كلها عوامل تجعل آلاف الحالات الأخرى مطموسة في الظل. هذه الأرقام، بما تحمله من فظاعة، تكفي وحدها لتصنيف ما يجري كجريمة ممنهجة لا كحوادث متناثرة، وتفرض ضرورة توثيق دقيق ومستقل، يحمي الشهادات من التلاعب السياسي والعسكري، ويحوّلها لاحقاً إلى أدلة في مسارات المحاسبة الدولية.
العنف الجنسي كسلاح حرب: دور المليشيات وتحول مناطق النزاع إلى بؤر للانتهاكات
شهادة الوزيرة بأن العدد الأكبر من الحالات مرتبط بأحداث الفاشر وسيطرة مليشيا الدعم السريع تكشف طبيعة العنف الجنسي في السودان اليوم: ليس مجرد إفراط فردي في استخدام القوة، بل استخدام ممنهج للجسد كسلاح لإهانة المجتمع وتركيعه. في سياقات حروب المليشيات، يتحول الاغتصاب إلى أداة لإرهاب العائلات، وكسر شوكة المجتمعات المحلية، ودفع السكان إلى النزوح القسري عن مناطقهم. المناطق التي يفترض أن تكون ملاذاً للنازحين – كمدن الشمال التي استقبلت الفارين من جحيم دارفور – تحولت بدورها إلى نقاط استقبال لبلاغات الاغتصاب والعنف الجنسي، ما يعني أن الجريمة تلاحق النساء حتى في رحلات الهروب.
هذا النمط يعكس انهياراً شبه كامل لمنظومة الحماية في مناطق النزاع: غياب قوات نظامية قادرة أو راغبة في الردع، تهميش أصوات النساء، خوف الأسر من التبليغ، وتفكك الهياكل التقليدية التي كانت تحمي الشرف والعِرض في المجتمعات المحلية. الأخطر أن استمرار هذه الانتهاكات دون محاسبة سريعة وحقيقية يرسل رسالة كارثية للمليشيات: أن العنف الجنسي ثمنه السياسي والجنائي محدود، ويمكن استخدامه بلا كلفة تقريباً. لذلك يصبح الربط بين توثيق هذه الجرائم وملفات العدالة الانتقالية والمحاكم الدولية ضرورة وجودية، وليس ترفاً حقوقياً.
استجابة الدولة: بين محاولات دمج الرعاية الصحية وحدود القدرة السياسية والأمنية
تصريحات سليمى إسحاق حول عزم الحكومة دمج خدمات الرعاية الصحية الأساسية للناجيات من العنف الجنسي في مكان واحد، والبدء بتقديم هذه الخدمات في ولاية الجزيرة ابتداءً من يناير، تعكس إدراكاً رسمياً لخطورة الموقف، ومحاولة على الأقل لتقليل معاناة النساء في بعدها الطبي والنفسي. الحديث عن تأهيل طبي ونفسي، وتقليل وصمة العار، خطوة مهمة في مجتمع تُحمَّل فيه الضحية – لا الجاني – عبء الفضيحة والخزي. جمع الخدمات في نقطة واحدة قد يسهل الوصول ويخفض كلفة الحركة والخطر على الناجيات، خاصة في ظل أوضاع أمنية متدهورة وبنية صحية منهكة.
لكن هذه الخطوات، رغم أهميتها، تصطدم بسقف الواقع السياسي والعسكري. دمج الخدمات الصحية لا يوقف الجريمة من منبعها، ولا يردع الجناة، ولا يضمن للناجيات حق التقاضي والأمان بعد الإدلاء بشهاداتهن. نجاح هذه المبادرات يتوقف على عدة شروط: ضمان سرية البيانات وحمايتها من التسريب، وجود كوادر مدربة على التعامل الحساس مع ضحايا العنف الجنسي، توفير دعم قانوني موازٍ للدعم الطبي والنفسي، وربط هذه المنظومة بآليات تحقيق ومساءلة لا تخضع لابتزاز المليشيات أو حسابات القوة الميدانية.
بين الإطار الأممي والواقع: هل تكفي الوثائق والاتفاقيات لحماية النساء؟
إعلان الوزيرة عن توقيع وثيقة إطارية مع مكتب الأمين العام للأمم المتحدة المعني بمنع العنف الجنسي في أبريل الماضي، يمثل على الورق خطوة متقدمة، يضع السودان ضمن الدول التي تعترف رسمياً باستخدام العنف الجنسي في النزاعات كجريمة جسيمة تتطلب تعاوناً دولياً لمواجهتها. الإطار الأممي يمكن أن يوفر دعماً فنياً، وآليات للرصد والمساءلة، ويفتح الباب لإدراج المسؤولين عن هذه الجرائم في قوائم العقوبات الدولية، بما في ذلك حظر السفر وتجميد الأصول، وربما – في مراحل متقدمة – الإحالة إلى المحاكم الجنائية الدولية أو الآليات الخاصة.
في ظل هذا الواقع، تبدو معركة النساء في السودان مع العنف الجنسي جزءاً من معركة أكبر على طبيعة الدولة نفسها: هل تكون دولة تحمي مواطنيها وتلاحق من يغتصبهم، أم دولة تُدار فيها الحرب على أجساد النساء بصمت وتواطؤ؟ الإجابة لن تحدد مصير الناجيات فقط، بل ستحدد إلى حد بعيد شكل السودان القادم بعد أن تسكت المدافع.

