نافذة مصر
وهل نحن شعب من العبيد؟
هل جربت مرة أن تمر بمحنة محاولة العودة إلى مراتع الصبا
أحد أصدقائي.. يكبرني عمرا بعامين.. كان زميلا في مراحل التعليم.. مما أعطاه القدرة للقيادة والصلاحية للريادة.. وكان شاعرا.. فرق العامين في هذا العمر يجعله -في مخيلة طفل- قادرا على الإتيان بالمعجزات .
.. في الثانية عشرة من عمره مر بتجربة حب ملتهبة عاصفة كانت مثار الانبهار منا ومثار السخرية والضحك من الكبار..
نسيت تفاصيل الأمر كله وغاب عن ذاكرتي تماما حتى عاد لي صديقي هذا –منذ عشرة أعوام- مصابا بانهيار عصبي..
كان جنونه الذي لم يعرف الفارق بين قصيدة شعر وبين الواقع قد قاده إلى محاولة معرفة مصير من اشتعل قلبه بحبها.. كانت قبيل الإحالة للمعاش.. وكانت مديرا عاما في أحد المصالح الحكومية.. واصطنع الصديق حجة كي يقابلها. وعاد منهارا.. فالصورة الشاعرية المستحيلة لواحدة من الحور العين لكن في الدنيا والتي ظل محتفظا بها طيلة ما يقرب من نصف قرن تحطمت تماما. قوام الظبي تحول إلى فيل.. وألوان الطاووس قد تحولت إلى لون رمادي رديء كلون التراب .. والحجاب ليس تدينا بل يخفي الصلع فهي في الواقع مثله علمانية .. ورشاقة الغزال تنحت أمام عكاز وخطو يهدد دائما أن سيفقد التوازن ويسقط أما اللآلئ المختبئة خلف الثغر فكهف خرب به بقايا حراب مدببة كأسنان القرش.
يمكن للقارئ أن يتخيل الباقي.
يمكن للحاضر أن ينهار.. وكذلك المستقبل..أما انهيار الماضي فقد دفعه للانهيار..
***
جربت هذا الإحساس على وجه آخر عندما زرت مدرستي التي غادرتها منذ نصف قرن.. وأماكن أخرى..
بشكل من الأشكال جربت ذلك مع مكان قديم.. هائل في حجمه مترامي الأطراف شاسع المساحة فإذا به كوخ صغير!!
لكنها المرة الأولى التي أجربها مع كتاب!!
سيكلوجية الإنسان المقهور!!
أظنني قرأت طبعته الأولى في أواخر الثمانينيات. أحرقت هذه الطبعة مع مكتبتي التي أحرقها الطاغوت منذ عام. الآن بين يدي صورة إليكترونية للطبعة التاسعة والتي صدرت عام 2005
قرأت الكتاب وكتبت عنه واقتبست منه واستشهدت به عشرات المرات..
ثم خطر لي أن أراجع مادته بعد الانقلاب..
وفوجئت بما فوجئ به صديقي.. وما فوجئت به أنا نفسي.. لكنها كانت المرة الأولى التي أصادف فيها هذا الشعور مع كتاب..
ولم يكن العيب في الكتاب ولا في الدكتور مصطفى حجازي. وإنما كان في أنواع الطواغيت.. وفي الشعب الآخر ذي الرب الآخر..
ذلك أن أعظم خيالات وتصورات الدكتور مصطفى حجازي – المحترم وليس البلياتشو- بدت قاصرة تماما عن توصيف ما حدث أو مجاراته.
تذكرت سخرية محمد علي من كتاب ميكيافيللي: "الأمير" وعزوفه عن إكماله.
ووقعت في مشكلة.. لأنني وعدتكم بالحديث عنه..
والكتاب ما يزال عميقا جدا..
لكن الأمر يبدو كما كنت قد توجهت إلى فتاة لتعاتبها على خضوع في القول أو بعض تبرج لتكتشف أنها تدير بيت دعارة..
أنت أنت لم تتغير.. لكن الفتاة هي التي تغيرت..
كذلك فإن الدكتور مصطفى حجازي هو هو.. وكذلك كتابه.. لكن المجتمع والشعب والطاغوت هم الذين تغيروا!!
***
تذكرت كتابا آخر كنت قد قرأته في نفس الفترة الزمنية.. كتاب يتساءل: هل نحن شعب من العبيد.. لم يجرؤ مؤلفه على البوح باسمه: الدكتور "ع ع‘". وقد وجدت منه نسخة على الشبكة العنكبوتية كما وجدت العديد من الدراسات عنه أستعين ببعضها في تدبيج هذا المقال..
***
***
يبدأ المؤلف كتابه بعبارة "إلى الذين يحبون مصر وردة ناضرة ذات أريج". ويعرض الكاتب جذور العبيد فى مصر محاولا تتبع نشأتهم وأصولهم و مجيئهم إلى مصر والأخطر مدى تأثيرهم فى شخصية المصريين بسلوكياتهم, واستمرار ذلك حتى الآن رغم اختفائهم ظاهريا, إلا أنه يؤكد عبر بحثه أنهم لم يختفوا من الوجود ولم تنهى مذبحة القلعة وجودهم, وأنهم مازالوا بيننا بسلوكهم وشخوصهم أيضا!
من هذه الأسئلة: لماذا يتصارع المصريون فى الخارج بشكل يتميز عن أى جالية أخرى؟ /ماهى الجذور التاريخية لبعض الشتائم السائدة؟/ لماذا يخشى المصرى دخول قسم الشرطة ولو كان بريئا؟/ هل كان حسن التهامى شخصية ضرورية للسياسة المصرية فى عهدى عبد الناصر والسادات؟/ ماعلاقة الجامعات بالتراث المملوكى؟/ العقاب الجنسى مادوره؟ وكيف تطور؟
يقدر الكاتب مساحة حكم العبيد لمصر بـ 1200عام وهو مايوازى 23% من تاريخها المكتوب, ويبدأ تأريخ وجودهم بمصر ببداية تقريبية تبدأ من "أحمد بن طولون" .. ويذكر أنه رغم كون العبيد قضى عليهم سياسيا تدريجيا وحتى نازلة محمد على بهم فى مذبحة القلعة 1811م, إلا أن المماليك العبيد لم ينقرضوا بيولوجيا ولا سلوكيا ومازالوا موجودين حتى اليوم!
***
ربما أختلف مع الكاتب في كثير مما وصل إليه، وهي أن الذل والعبودية إنما تعود إلى العصر الفرعوني وإلى عصور الاحتلال الأجنبي، لا يضارعها في ذلك إلا عصر بعد الانقلاب. ذلك أنني أظن أن المماليك قاموا بدورهم التي جلبتهم الأمة من أجله: الدفاع العسكري. ثم أنهم لم يغصبوا سلطانا ولم يقوموا بانقلاب، ولم يكن الأمر مجرد دعوة من الرعاع والدهماء بل كان موقف الصفوة، وراجعوا كيف سلم السيد عمر مكرم حكم البلاد إلى جلف ألباني جاهل كان صنيعة نابليون وعميله وأداته بعد ذلك في محاولة هدم الإسلام في مصر.
***
الحكام الفعليين لمصر مازالوا هم "الرقيق الأبيض" فى المحافظات والدواوين ومسئولى الشرطة والعمد ورؤساء الأحياء, وأغلب المناصب العامة..لذا فأى قرار سيادى لا يوافق هواهم قد لا ينفذ غالبا , فقد تسن الدولة ماتشاء من قوانين ولكنه يمتلك القدرة على تنفيذها بما يناسب مصالحه أو تعطيلها وجعلها كأن لم تكن أو التلكوء فى تنفيذها بما يميت نفعها, أو بإفراغها التام من مضمونها بحيث يتحول القانون إلى سكين يذبح به من يشاء, بحرفنة شديدة ودون احتكاك صريح مع السلطة قد يؤدى به لمشاكل وذلك لخبرته الطويلة المتوارثة فى شئون الإدارة والحكم!
***
تعبيرات النفاق تظهر بوفرة فى المناخ المملوكى (عيونى/ كلى لك/ أجدع ناس/ يا حبيبنا/ نوارتنا) للتملق والخوف وليس لإبداء الود, ويشرح المؤلف عوامل وجودها وفاعليتها فى مجتمعنا حتى اليوم باستخدام الأمثلة التى لا تخطؤها عين!عبارة "الاحترام واجب" يقف عندها المؤلف كثيرا لأهميتها ودلالتها غير المألوفة لنا, فهى موازية للإتاوة و لفرض الجبروت واستغلال القوى للضعيف!

مازالت عناصر الشرطة خاصة المخبرين والأمناء والصولات يذهبون للحلاقة مجانا ولمسح الأحذية بالمجان وكذلك ركوب المواصلات المجانى "بالعافية", بل إن معظم الضباط يحصلون على كل احتياجاتهم مجانا، والويل لمن يرفض!
يحدث هذا رغم أن بين الشرطة والشعب عداء غير منكور من كليهما, ورغم أن العبيد الصرحاء قد انتهى عصرهم إلا أن تراثهم هو الحاكم الفعلى للعلاقة, فالشرطىّ لا زال يعتقد بأحقيته فى ضرب المواطن, و "القفا" ذكره بعض الرحالة منذ قرنين ومازال يمثل إهانة فى الشارع, بينما فى قسم الشرطة هو إجراء روتينى تماماً كإظهار بطاقة تحقيق الشخصية.
مشاهدة أقارب المحتجز متجمهرون أمام قسم شرطة أمر مألوف لاستنقاذ تابعهم من براثن "العسس" باستخدام الجلبة وتشكيل وسيلة ضغط قد تؤتى ثمارها لو وجدت الشرطة بديلا أضعف يحمل القضية .. الصراع لايحكمه قانون, فالعسس هم سلطة تنفيذية لها قانونها الخاص
***
ويبرز المؤلف دور بعض الكلمات ومدى اختلاف مفهومها بين المثقف وبين الرجل العادى مما يبرز مفهوم دلالى لها مغاير تماما لما قد يقصده منها الشخص المثقف, ككلمات (نزاهة و نزيه و جدع وشهم و الركوب) وكذلك يضع المؤلف تأصيلا للمفاهيم والعقاب الجنسى لدى المماليك ولماذا يعتبر الرجل الشرقى الاعتدء الجنسى عليه أو على أهل بيته فضيحة رغم أنه لا ذنب له فيه, فى حين ينظر الأوروبى للأمر كما لو أنه سرقت محفظته, فهو فعل تم بغير رغبته, فلا شىء يدعوا للخجل لديه, أما فى مجتمعنا فهى بمثابة كسر عين وإذلال!
مازلنا حتى اليوم نرى من يكسر عين فلانة بمجرد زواجه منها بعد أن كانت "بتتبغدد عليه",أو بإقامة علاقة جنسية معها مكتملة كانت أو غير مكتملة, وكذلك من يقتل أخته لأنها تعرضت لحادث اغتصاب..جميعها شواهد باقية! ثم ينتقل الكاتب لبعض السلوك الجنسى الشاذ لحكام مصر من أسرة محمد على والتى تنطوى على ممارسات العبيد وانتقالها إليهم وإلى الطبقات الدنيا المصرية فى ذات الوقت..
أخْذ البرىء بذنب متهم وهو ما يُطلق عليه نظام "الرهينة" يتحول له الكاتب فى رشاقة, ويقدر أنه تراث (مملوكى/بدوى) والتهديد بهتك شرف الرهينة (أمه أو أخته) وهو مازال متبعا إلى اليوم فى أقسام الشرطة لإجبار متهم فى تسليم نفسه, ذاكرا قصة كان بطلها "محمد على" فى بروسطة باليونان قبل أن يحكم مصر وقد أخذ بعض الرهائن من أعيان هذه القرية حتى تدفع القرية مبلغا كان مطلوبا من قبل حاكم قولة!
***
يتتبع الكاتب مسيرة المماليك بعد قضاء "محمد على باشا" على رؤوسهم, متتبعا زوجاتهم و أبنائهم الذين حافظوا على مكانة العبيد الاجتماعية بتوغلهم فى مؤسسات المجتمع المصرى بما يملكونه من مهارات وأساليب الوصول والترقى! من الأمور المثيرة للدهشة أيضا نظرة الكاتب للأسماء التى تشير لأصول مملوكية حتى اليوم وأن أصحاب هذه الأسماء "الألقاب" هم بالفعل الأقدر وصولا للمناصب العامة!

فالإخوان المسلمون يرى الكاتب أنه كان تنظيما ناجحا لأنه بعد عن التشرذم المملوكى ولم يتشتت وينقسم إلا بعد أن طالته تلك العناصر المملوكية
لا حظ ألقابا مثل العشرى والميهى و الألفى, فالعشرى هو العبد الذى اشتراه سيده بعشرة دنانير والميهى ثمنه مائة دينار والألفى ألف ,أضف إليهم الشوربجى و دويدار و خازندار..إلخ
***
يتناول فى رشاقة فكرة الريع والسمسرة والبقشيش والسلب, ومدى انتشارها فى المجتمع المصرى حتى اليوم فى تعاملاتنا اليومية وبدون أن نتوقف عندها ولو قليلا, فى فصل هام للغاية. وكذلك يتحدث عن "الفردة" والضريبة والفارق بينهما, وخط السير المتبع لعملية البيع والشراء والعرض والطلب فى العالم كله وكيفية حدوث عملية مماثلة فى بلادنا, وستكتشف أن ما نمارسه ليس بيعا ولا شراء وإنما هى عملية تدمير نفسى وإنسانى متكاملة الأركان,لا تقل عن دخول الشخص معركة حربية!
التسعير وفقا للنفوذ, العيش على الريع وليس الإنتاج هو رغبة وسلوك كثير منا الآن, عملية التجويع وغياب سلع بعينها فى فترات معينة, حرق الأسعار, صراع التجار, الإتاوة "الضريبة الشعبية"..إلخ
وكذلك يشرح الكاتب عملية بيع الدولة لأراضى أو مساكن بأسعار مخفضة لمحدودى الدخل, وكيفية دخول التراث المملوكى فيها بكل ما أوتى من خبرة لإفساد التجربة وإفساد أى شأن عام وتحويله لتشرذمات فاسدة ومفسدة!
كان الراحل"نجيب محفوظ" بحكم نشأته فى القاهرة القديمة يؤكد مملوكية مصر وأنها الخيار المصرى السائد حتى اليوم فلا هى بفرعونية, ولا هى بإسلامية, ولم تكن سوى نظرة فيلسوف متأمل فى سلوكيات البشر من حوله و لكن الكتاب محل الذكر يؤصل للفكرة علمياً.

نكرر ما قاله ممدوح الغالي على غلاف الكتاب الخلفي:
"الكل يقول إن الحكومة سيئة، ولكن الكل لا ينتبه إلى أن الشعب في الحقيقة أسوأ. نقاسي من الطغاة ونحن نصنعهم، ونرمي الآخرين بالفساد والإنحلال ولا نتوقف أمام فسادنا.
***
نعم ..
الحكومة سيئة، ولكن الكل لا ينتبه إلى أن الشعب في الحقيقة أسوأ.
***
نعود إن شاء الله في مقال لاحق إلى الدكتور مصطفى حجازي.."المحترم"" وليس " البلياتشو"