كتب - الخبير الاقتصادي "نقيب الصحفيين السابق" - ممدوح الولي :

 
المواطن البسيط والثمار الاقتصادية للانقلاب 
روى لى مدير عام بأحد البنوك أنه قد أتى بوالده المسن كى يستمع إليه ، وهو يشارك فى برنامج تلفزيونى اقتصادى مسجل ، وبعد انتهاء الحلقة سأل والده عن رأيه فيما قاله ، فقال العجوز : " والله يا بنى مانى فاهم حاجه " " أنا إللى أعرفه أفتح الحنفيه .. ألاقى ميه ، أحرك المفتاح .. اللمبه تنور ، أطلع الأتوبيس .. ألاقى كرسى ".
 
وهكذا لا يفهم المواطن البسيط المؤشرات الاقتصادية ولا يصدقها ، حتى قال البعض أن الناس لا يأكلون مؤشرات ، ولهذا ابتدع البسطاء مؤشراتهم الخاصة التى يقيسون بها الأمور ، فإذا كان جهاز الاحصاء يقوم بحساب التضخم من خلال تغير أسعار السلع والخدمات ، فإن بعض البسطاء يقيسون تطور الأسعار بمقياس تطور أسعار اللحوم وهكذا.
 
ولهذا فإن المواطن البسيط لن يعنيه كثيرا أن نقول له أن الدين المحلى و الدين الخارجى قد زادا فى فترة الانقلاب ، أو أن معدل البطالة قد ارتفع بعد الانقلاب ، أو أن عجز الموازنة أو العجز بالميزان التجارى قد استمر فى عهد الانقلاب
 
- لكن المواطن البسيط يدرك كثيرا أن أسعار اللحوم والدواجن والأسماك والخضر والفاكهة ، قد زادت فى عهد الانقلاب لأنه اكتوى بنارها ، كما يدرك سوء حالة المواصلات العامة حين عانى من وقف كل خطوط السكك الحديدية لنحو ثلاثة أشهر ، قاسى خلالها من استغلال عربات الميكروباص وزحام الطرق .
وهو الذى عانى من منع ركوب شخص وراء صاحب الموتوسيكل ، حيث يصحب الحرفى والسباك والمزارع ابنه أو زميله بالعمل معه الى مكان العمل أو الحقل ، ودفع ثمن قرار منع استيراد الموتوسيكلات مما زاد من أسعار الموتوسيكلات وقطع غيارها.
 
وهو ما أضر بمليون و772 ألف صاحب موتوسكيل ، ونفس الضرر لمئات الآلاف الذين يملكون توك توك يعيشون من ايراده ، حين تم منع استيراده لمدة عام مما زاد من أسعار قطع غياره ، ومازال يعانى من اغلاق محطتى التحرير والجيزة بمترو الأنفاق. 
 
- وهكذا لن يفهم المواطن البسيط مسألة تخفيف أحمال الكهرباء ، وأنها بسبب نقص الوقود ذى يرجع الى تراجع انتاج الغاز الطبيعى ، نتيجة عدم دفع مستحقات الشركات الأجنبية ، نتيجة عجز الموازنة ، إن هذه لوغاريتمات لا يفهمها لكنه يدرك انقطاع الكهرباء المتكرر عن منزله وما تسبب عنه من تلف بعض الأطعمة والأجهزة ، ومن عدم استطاعة أولاده المذاكره رغم اقتراب الامتحانات.
 
وأثر انقطاع الكهرباء على ورشته الحرفية التى تعتمد على الكهرباء فى تشغيل معدات العمل ، وأثر انقطاع الكهرباء عندما ذهب لإحدى المصالح الحكومية واضطر للصعود على السلم للدور العاشر ، وعندما وجد الكمبيوتر عطلان بسبب انقطاع الكهرباء مما كلفه مشوار آخر لنفس المصلحة . 
 
- وهكذا سيفهم المواطن معنى عجز الموازنة ، حين يضطر لاستخدام البطاقة الذكية لشراء عدد محدد من أرغفة الخبز البلدى ، مما يعيد إلي الكبار منهم ذكريات صرف كمية من الدقيق البلدى للأسر على البطاقات التموينية فى أعقاب هزيمة يونيو 1967 . 
 
وسيدرك مغزى زيادة تكلفة الدين العام التى تلتهم 35 % من مصروفات موازنة الحكومة ، حين يتأخر استكمال محطة الصرف الصحى فى مدينته لسنوات أخرى اضافية .
 
وسيرى أيضا أن حال السياحة قد اذداد سوءا ، وركود قطاع العقار مازال مستمرا ، وأحوال العمالة اليومية قد تدهورت ، وأن ابنه العاطل ما زال عاطلا ، يجلس مع شقيقه الذى استغنوا عنه فى الشركة التى كان يعمل بها نظرا للمشاكل التى واجهت الشركة ، مع عمه العائد من السعودية بعد أن رحلوه من هناك ، ومع خاله العائد من ليبيا .
 
وهاهى مشاكل نقص البوتوجاز لم تنته ، وطوابير البنزين والسولار لم تتوقف ، وحالة التعليم تزداد سوءا ، مع قلة الفترة المخصصة للدراسة وطول الاجازات وقتل وسحل وسجن الطلاب ، وهاهى الخدمات الطبية لم تشهد من قبل مثل تلك الاضرابات الطويلة من جانب الأطباء والصيادلة ، حتى من جانب الأطباء البيطريين المسؤلين عن صحة ما نأكله من حيوانات .
 
- وسيدرك المواطن البسيط أن كل المبررات المعيشية التى ساقوها لدفع الناس للخروج فى 30 يونيو ، قد ساءت أحوالها عما كانت عليه قبل الثلاثين من يونيو ، لكن الفارق أن من خرجوا فى 30 يونيو لم يتعرض لهم أحد .
 
ولم تحدث حتى اصابة واحدة لأحدهم حيث كانوا يسيرون فى حماية الجيش والشرطة ، بينما من يشارك الآن فى مظاهرة أمامه خيارات الاعتقال والحبس والاصابة والقتل إضافة الى التشويه الاعلامى ، لافرق بين طالبه أو سيدة أو طفل أو إمرأة عجوز ، فالكل عند زبانية الانقلاب سواء ! 
 
والغريب أنه بعد هذا كله مطلوب من المواطن البسيط المطحون والمكمم فاه ، أن يختار من تسبب فى كل تلك المآسى للمصريين ، رئيسا للجمهورية بديلا عن الرئيس الشرعى المنتخب ، الموجود خلف القضبان متهما بالتخابر مع حماس !