لم يعد بند فوائد الديون في الموازنة المصرية مجرد رقم كبير يمر داخل الجداول المالية من دون أثر مباشر على حياة الناس، لأن القفزة الأخيرة إلى 1.631 تريليون جنيه خلال الفترة من يوليو إلى فبراير من العام المالي 2025/2026 كشفت أن الدولة باتت تنفق على خدمة الدين أكثر مما تنفقه على القطاعات التي تمس حياة المواطن اليومية.
وزارة المالية أظهرت أن إجمالي المصروفات خلال هذه الفترة بلغ 2.954 تريليون جنيه، ما يعني أن فوائد الديون وحدها استحوذت على 55.2% من الإنفاق العام.
هذا التحول لا يعكس فقط تضخم عبء الاستدانة، بل يعكس أيضًا انتقال الموازنة إلى وضع تصبح فيه الأولوية الفعلية للدائن لا للمواطن. وعندما يذهب أكثر من نصف ما تنفقه الدولة إلى الفوائد، فإن الحديث عن تحسين الخدمات أو توسيع الحماية الاجتماعية أو تخفيف الغلاء يصبح أقل من تعهد سياسي وأكثر من عبء مؤجل لا يجد تمويلًا كافيًا.
هذه الصورة تصبح أكثر قسوة عندما توضع في سياق السنوات الأخيرة، لأن الفترة نفسها من العام السابق سجلت فوائد بنحو 1.2 تريليون جنيه بنسبة 52.4% من المصروفات، ما يعني أن الصعود ليس حادثًا استثنائيًا بل مسارًا متصلًا يلتهم مساحة الإنفاق عامًا بعد عام.
ومع كل زيادة جديدة في هذا البند، تضيق قدرة الدولة على توجيه الموارد إلى التعليم والصحة والأجور والدعم، ويتحول المواطن إلى الطرف الذي يدفع الثمن مرتين، مرة عبر الضرائب والرسوم والأسعار، ومرة عبر تراجع مستوى الخدمات العامة التي يفترض أن تقوم الموازنة بحمايتها.
ولذلك فإن وصول الفوائد إلى هذا المستوى لا ينبغي التعامل معه بوصفه مسألة فنية تخص خبراء المالية فقط، بل بوصفه تطورًا سياسيًا واجتماعيًا يشرح لماذا تتراجع قدرة الدولة على تخفيف أثر الأزمة على الناس رغم اتساع الجباية واستمرار الاقتراض.
قفزة الفوائد تؤكد أن خدمة الدين صارت البند الأول في الموازنة
ثم تكشف المقارنة المباشرة بين الرقمين أن خدمة الدين لم تعد مجرد بند كبير داخل الموازنة، بل صارت البند الأكثر استنزافًا للمال العام. فحين ترتفع الفوائد من 1.2 تريليون جنيه إلى 1.631 تريليون جنيه خلال عام واحد تقريبًا، فإن الزيادة لا تعكس فقط كلفة الدين القائم، بل تعكس أيضًا استمرار الاعتماد على الاقتراض بكلفة مرتفعة.
وبعد هذه القفزة، يصبح من الصعب الدفاع عن الخطاب الرسمي الذي يكرر أن الأوضاع تتجه إلى الاستقرار، لأن الموازنة نفسها تقول إن الدولة تنفق على الفوائد أكثر مما تنفق على أي أولوية اجتماعية أخرى. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وصفت مشروع موازنة 2025/2026 بأنه موازنة في قبضة الديون، وقالت إن 58% من القروض الجديدة يذهب أصلًا إلى خدمة الديون القائمة.
كما أن اتساع هذا البند لا يبقى محصورًا داخل وزارة المالية، لأنه يضغط على كل بند آخر في الإنفاق. وحين تصبح الفوائد قريبة من ابتلاع نصف أو أكثر من المصروفات، فإن أي زيادة مطلوبة في الأجور أو الدعم أو الاستثمارات العامة تجد نفسها أمام سؤال التمويل. وهنا لا تعود الأزمة أزمة حسابات فقط، بل أزمة أولويات فرضها هيكل الدين نفسه على الدولة والمجتمع معًا.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي مدحت نافع إن الخطر الحقيقي في الاقتصاد المصري ما زال متركزًا في الدين وفي الأعطاب الهيكلية المرتبطة به، لا في المؤشرات التي قد تبدو متحسنة على الورق لفترة محدودة. أهمية هذا التقدير أنه يشرح لماذا لا تنعكس بعض التحسينات الظاهرية على معيشة الناس، لأن عبء الدين يواصل سحب الموارد من داخل الموازنة.
المواطن يدفع الثمن من التعليم والصحة والخدمات الأساسية
ثم يظهر الأثر الأكثر مباشرة على المواطن عندما توضع فوائد الديون في مواجهة الإنفاق الاجتماعي. مركز حلول للسياسات البديلة قدّر أن نصيب الفرد من فوائد الديون في موازنة 2025/2026 يبلغ 21,223 جنيهًا سنويًا، بينما لا يتجاوز نصيب الفرد من التعليم 2,910 جنيهات، ومن الصحة 2,274 جنيهًا فقط. هذه المقارنة تكشف بوضوح أين تذهب الموارد أولًا.
وبسبب هذا الاختلال، لا يحتاج المواطن إلى قراءة وثائق الموازنة حتى يشعر بالأثر، لأن النتيجة تظهر في مدرسة مزدحمة، ومستشفى ضعيف التجهيز، وخدمة عامة تتراجع جودتها رغم اتساع الإنفاق الكلي للدولة. هيومن رايتس ووتش قالت إن تراجع التمويل في مصر يقوض الحق في التعليم والرعاية الصحية، وإن المخصصات ما زالت دون الالتزامات الدستورية المطلوبة.
كما أن هذا الضغط لا يتوقف عند نقص الخدمة فقط، بل يمتد إلى مستوى المعيشة نفسه، لأن الحكومة حين تعجز عن توسيع الإنفاق الاجتماعي تضطر إلى ترك المواطن يواجه السوق وحده. وهكذا يصبح عبء الديون حاضرًا في سعر الدواء، وفي تكلفة الدروس، وفي رداءة المرافق، وفي عجز الأسر عن تعويض ما لم تعد الدولة قادرة على توفيره بمستوى كافٍ.
وفي قراءة لهذا المسار، حذر الباحث الاقتصادي أحمد قطب من أن التهام خدمة الديون للإنفاق العام يدفع الحكومة إلى زيادة الضرائب وخفض الإنفاق وتقليص جودة الخدمات، لأن الموارد تُسحب أولًا إلى بند السداد. هذا الرأي يكتسب وزنه من توافقه مع الأرقام، لا من كونه توصيفًا سياسيًا فقط، لأن بنية الموازنة نفسها تؤكد هذا الاتجاه.
الاقتراض يعيد إنتاج الأزمة ويضيق أي مساحة لانفراج حقيقي
ثم تزداد المشكلة تعقيدًا لأن ارتفاع الفوائد لا يستهلك الموارد فقط، بل يدفع الدولة إلى مزيد من الاقتراض لتغطية العجز وسداد الالتزامات القائمة. وهذه الحلقة تجعل الدين لا يعمل كبند مالي عابر، بل كآلية تعيد إنتاج الأزمة من داخلها. كلما زادت الفوائد، احتاجت الدولة إلى تمويل أكبر، وكلما زاد التمويل، ارتفعت الكلفة في دورة جديدة يصعب كسرها سريعًا.
وبعد ذلك، ينتقل العبء إلى المواطن بطرق غير مباشرة لكنها أشد وطأة. الدولة التي تحتاج إلى موارد أكبر لسداد الفوائد تضغط أكثر على الضرائب والرسوم، أو تخفض أنواعًا أخرى من الإنفاق، أو تؤجل تحسينات كانت ضرورية في الأجور والدعم والخدمات. وهكذا لا يدفع المواطن الدين من جيبه فقط، بل يدفعه أيضًا من خلال ضيق المعيشة وتراجع الحماية الاجتماعية.
كما أشار الباحث في الاقتصاد السياسي مصطفى يوسف إلى أن خدمة الديون الكبيرة تقلل قدرة الحكومة على توجيه الإنفاق إلى التنمية المستدامة وتحسين مستوى المعيشة، لأنها تستهلك معظم الإنفاق العام وتضعف تمويل البرامج الاجتماعية والاقتصادية الأخرى. هذا التقدير يعبر بدقة عن معنى الأرقام الحالية، لأن المساحة المالية التي تحتاجها الدولة للتحسن تذهب أولًا إلى الدائنين.
وأخيرًا، فإن وصول فوائد الديون إلى 1.631 تريليون جنيه خلال ثمانية أشهر فقط لا يكشف مجرد أزمة مالية داخل الأوراق، بل يكشف أن الموازنة المصرية تتحرك بصورة متزايدة ضد مصلحة المواطن. الدولة تنفق أكثر، لكن المواطن لا يرى تحسنًا موازيًا في الخدمة أو الحماية أو مستوى المعيشة، لأن الجزء الأكبر من الإنفاق يذهب إلى خدمة الدين. وإذا استمر هذا المسار، فلن تبقى الأزمة مسألة تخص خبراء الاقتصاد فقط، بل ستتجسد أكثر في حياة الناس على شكل غلاء مزمن، وخدمات أضعف، وقدرة أقل للدولة على تخفيف الضغوط. عند هذه النقطة، لا يصبح السؤال كيف ارتفعت فوائد الديون فقط، بل لماذا يُطلب من المواطن كل مرة أن يتحمل نتائج سياسات لم يصنعها، ثم يُترك في النهاية أمام موازنة تعطي الأولوية للدائن قبل الإنسان.

