كتب - المستشار وليد شرابي :
القضاة بين دستور الأمس واليوم مازلت أذكر قبيل الإشراف على الدستور العام الماضى وغضبة القضاة التى ملأت شاشات الفضائيات وتهديدهم للشعب بأنهم لن يشرفوا على إستفتاء الدستور وكان رئيس الدولة هو أول رئيس مدنى منتخب ، و رئيس هذه اللجنة هو المستشار الجليل حسام الغريانى رئيس محكمة النقض الأسبق ، وكل أعضاء اللجنة ما بين عضو منتخب أو حائز للوفاق الوطنى اللازم للقبول به عضوا فى هذه اللجنة ، وكنت أعلم حينها أن هذه الغضبة مفتعلة من القضاة روج لها بعض أفراد التنظيم الطليعى داخل القضاء وهللت لهم رموز الفساد بفضائياتهم وأدارت الدولة العميقة كل هذه الأحداث.
أما الأن فواضعى الدستور فى لجنة ( الخمسينة ) تاريخهم واضح للجميع ويرأسهم أحد رموز دولة مبارك الفاسدة ولا يوجد واحد فيهم منتخب أو حائز للوفاق الوطنى للقبول به ممثلا فى هذه اللجنة ، وبالرغم من ذلك لم نسمع القضاة يتململون مما يحدث وانصاعوا للقبول بلإشراف على الإستفتاء وكأنهم لم يغضبوا بالأمس القريب لأسباب واهيه إذا ما قورنت بما تمر به البلاد من أحداث الأن ، ولعل أبرزها أن الرئيس الشرعى للبلاد مختطف ، والدستور المستفتى عليه بأغلبية الثلثين معطل ، والألاف زج بهم إلى السجون ، والألاف من الشهداء والمصابين وكل أشكال التنكيل لمن يظهر إعتراضه على الدستور تمارس علنا ، دستور الإنقلاب يولد بين دموع اليتامى وصرخات الثكالى وأنات الجرى وألام المصابين .... إلا أن القضاة لم يغضبوا !!! القضاة لم يخرج أحد من بينهم ليدى بكلمة إعتراض على أى قناة فضائية !!! القضاة فوق رؤسهم الطير !!! القاضى يسمع ويطيع !!!
القضاة يسارعون للقبول بالإشراف على الدستور !!!
قد يسأل البعض ماهو السر فى تغير موقف القضاة ؟؟ الإجابة وبكل وضوح أن من ادار غضبة القضاة على الرئيس المنتخب ودستور البلاد الشرعى هو الذى يدير المشهد القضائى الأن ، وهو دارس جيد للحالة النفسية للقضاة بشكل عام ، ويعلم أن القاضى حريص جدا على الحصول على مكافأة الإشراف على الإستفتاء كما أنه يخشى بطش السلطة ( الغير شرعية ) القائمة ...
كل هذه العوامل لم تكن موجودة بهذا القدر أثناء الإشراف على الدستور العام الماضى ، لذلك يجب علينا أن نتعلم هذا الدرس جيدا ...
من المهم أن يشعر القاضى بأنه مستقل ولديه الحصانة التى تحميه ، ولكنه فى ذات الوقت يجب أن يعلم أنه ليس مستقلا عن الدولة التى يعيش فيها ، وأن حصانته مرهونه بإستقامته وعدم إنحرافه ، وأن السلطات المنتخبة فى الدولة يجب أن تباشر كافة صلاحيتها أمام كل المؤسسات المعينة بما فيها مؤسسة القضاء ، فاذا ما تحقق ذلك يمكن أن نرى قضاءا محترما وليس مسيسا.
ولكن يبقى أن أشير إلى أن هناك أعداد كبيرة من القضاة الشرفاء لم يلهثوا خلف جنيهات السيسى ولم يرهبها سيفه إعتذروا عن الإشراف على دستور الدم مما دفع قادة الإنقلاب داخل القضاء إلى الإستعانة بقضاة أخرين لم يكن مخطط لهم الإشتراك فى هذه الجريمة ( الإستفتاء ) خالص التقدير لكل شريف إشترى أخرته بدنياه وأسال الله لهم أن يخلف عليهم بالخير .

