فراس أبو هلال
رئيس تحرير صحيفة عربي 21 الإلكترونية وباحث في شئون الشرق الأوسط
مع توقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مؤقتًا، يُثير سؤال النصر والهزيمة جدلًا واسعًا في وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية، فضلًا عن الخطاب السياسي.
أعلن سياسيون إيرانيون وشخصيات في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب النصر. كما أعلنت الإمارات العربية المتحدة، التي كانت في موقف دفاعي ولم تشن أي عمليات هجومية، النصر أيضًا.
فمن المنتصر الحقيقي في هذه الحرب؟ هذا السؤال أكثر تعقيدًا مما يبدو.
تُمثل الحروب المعاصرة تحديًا كبيرًا للمحللين والمؤرخين الساعين إلى تحديد المنتصر والمهزوم في هذه الحروب.
فعلى عكس الحروب التاريخية - حيث يمكن ترجمة الانتصارات الميدانية الواضحة إلى انتصارات سياسية - غالبًا ما تكون نتائج الحروب المعاصرة غامضة.
في النظام العالمي الجديد الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، والقائم -خاصة في الغرب- على أسس ديمقراطية ليبرالية تتمحور حول "حقوق الإنسان" و"القانون الدولي"، تغيرت معايير النصر والهزيمة. وقد أدى هذا التعقيد إلى ظهور مفهوم "كسب القلوب والعقول"، أولًا خلال حرب أمريكا على فيتنام، وبشكل أوضح في حربي العراق وأفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر.
ومن جهة أخرى، باتت مفاهيم النصر والهزيمة اليوم خاضعة لهيمنة الدعاية وغياب "الموضوعية"، إضافة إلى التعقيد الذي يسببه مفهوم الحرب غير المتكافئة. يسمح غموض النتائج نتيجة لهذه الأسباب، لكل طرف بادعاء النصر؛ ففي الأنظمة الديمقراطية، يمكّن هذا الإدعاء الحزب الحاكم من استمالة الناخبين بفعالية أكبر. أما في الدول الاستبدادية، فيساعد ادعاء النصر النظام على الحفاظ على الدعم الشعبي والشرعية.
كما يمنح مفهوم الحرب غير المتكافئة الطرف الأضعف، سواء أكان دولة أو منظمة غير حكومية، فرصة ادعاء النصر إذا تمكن من تجنب الانهيار والحفاظ على أيديولوجية المقاومة للطرف الأقوى. وعادة ما يكون الطرف الأضعف مستعدا لتحمل خسائر أكبر من الطرف الأقوى، إذ ينظر إلى الحرب على أنها تهديد وجودي له، بعكس الطرف الأقوى الذي يسعى لتحقيق أهداف سياسية من الحرب.
من النصر إلى الهزيمة
في الحروب المعاصرة، لا يُترجم النصر العسكري دائمًا إلى نصر سياسي. تُعد حرب فيتنام مثالا واضحا على ذلك، إذ تحول انتصار الولايات المتحدة وحلفائها من فيتنام الجنوبية في هجوم تيت الشهير مثلا في نهاية المطاف إلى هزيمة سياسية، حيث ساعدت نتائج هذا الهجوم وما تبعه من انتقام أمريكي قوات الفيت كونغ في جهود التجنيد وأجج الحركة المناهضة للحرب داخل الولايات المتحدة والعالم.
يصبح تقييم الانتصارات العسكرية أو السياسية أكثر صعوبة عندما تكون الصراعات مستمرة. فغزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 والإطاحة بصدام حسين، والذي وصف سريعًا بأنه انتصار عسكري وسياسي، سرعان ما تحول إلى هزيمة، عندما أدت نتائجه إلى منح إيران نفوذا كبيرا في مرحلة ما بعد صدام.
ويُعد "النصر" الأمريكي الظاهري في أفغانستان عام 2001، حين أطاح الأمريكيون بحكم طالبان، مثالًا أوضح على نصر مؤقت تحوّل إلى هزيمة ساحقة في غضون عقدين.
ولأنّ الصراع غير متكافئ ومستمر، يصعب تقييم النصر والهزيمة في سياق الحرب الإيرانية. فقد حققت الولايات المتحدة وإسرائيل مكاسب تكتيكية، باغتيال العشرات من القادة العسكريين والسياسيين الإيرانيين، وإلحاق دمار هائل بالبنية التحتية للبلاد.
ومع ذلك، وحتى وقف إطلاق النار الأخير، واصلت إيران شنّ هجمات مضادة على إسرائيل ودول الخليج التي تستضيف وجودًا عسكريًا أمريكيًا.
وقد ادّعى كلا الجانبين النصر، مستغلّين غياب تقييم محدد لهذا المصطلح في الحروب المعاصرة. وأشار الأمريكيون والإسرائيليون إلى الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمؤسسات الإيرانية وقدراتها الصاروخية ومواقعها النووية. لكن إيران أشارت إلى أنّ نظامها السياسي ما زال يعمل رغم فقدان القيادات، إلى جانب استمرار قدراتها في مجال "القيادة والسيطرة"، في حين عزّزت سيطرتها على مضيق هرمز.
في الواقع، لدى كلا الجانبين مبررات وأسباب لتسويق النصر لشعبيهما، إذ حقق كل منهما انتصارات تكتيكية معينة، وإن كانت الانتصارات "التكتيكية" أكبر على الجانب الأمريكي الإسرائيلي.
أهداف فاشلة
مع ذلك، فإن تقييم من حقق نصرًا سياسيًا لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد فشلت جميع الأهداف السياسية للحرب - وهي فرض "تغيير النظام" في إيران، وتأجيج الانتفاضة الشعبية، وتشجيع القوات الكردية المسلحة على التمرد العسكري ضد الدولة، والقضاء على البرامج النووية والصاروخية الإيرانية.
على الرغم من المكاسب التكتيكية، التي أتاحها الفارق الهائل في القدرات العسكرية، لم يتحقق أي من الأهداف السياسية التي دفعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى شن هذه الحرب. بل نجحت إيران في تحويل تركيز الصراع إلى تأمين حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
باستخدام قدرتها على التحكم في حركة المرور عبر المضيق، وهي استراتيجية تسببت في ضغوط اقتصادية عالمية هائلة، وجدت إيران نفسها في موقف تفاوضي أقوى. توجهت إلى مفاوضات باكستان بخطة من عشر نقاط، من شأنها أن تُرسّخ نفوذها على المضيق، وتسمح باستمرار برنامجها النووي، وتمدد وقف إطلاق النار ليشمل لبنان.
بدت إدارة ترامب في البداية متقبلة للخطة أساسا للمفاوضات، لكنها تراجعت عنها لاحقًا، وظهرت خلافات على تحديد هذه النقاط العشر التي زعم كل طرف أن لديه نسخة مختلفة منها عن الطرف الآخر، مما أدى إلى انهيار المحادثات في إسلام آباد.
في غضون ذلك، تدهورت سمعة إسرائيل والولايات المتحدة عالميًا؛ حتى أن أقرب حلفائها رفضوا المشاركة في الحرب، معتبرينها غير قانونية بموجب القانون الدولي.
باعتبارها أقوى ديمقراطية ليبرالية في العالم، خسرت الولايات المتحدة معركة كسب "القلوب والعقول" حول العالم، بعد أن شنت حربًا غير شرعية، وفقًا لخبراء الأمم المتحدة؛ وهاجمت أهدافًا مدنية، من بينها مدرسة للبنات، ما أسفر عن مقتل العشرات من الأطفال؛ واغتالت الزعيم الشرعي لدولة ذات سيادة؛ وهددت بإبادة حضارة بأكملها.
من جانبها، خسرت إيران نقاطًا سياسية جراء استهدافها مواقع مدنية في أنحاء الخليج، بما في ذلك منشآت نفطية ومحطات توليد طاقة، ما أدى إلى تصاعد التوترات بينها وبين جيرانها الإقليميين الذين يرون في هذه الحوادث تهديدًا لأمنهم القومي. وقد يدفع هذا دول الخليج إلى تعزيز علاقاتها مع المحور الأمريكي الإسرائيلي، ما يُصعّب على إيران إصلاح العلاقات مستقبلًا.
عمومًا، من السابق لأوانه تحديد المنتصرين والمهزومين في هذه الحرب. ولكن بالنظر إلى طبيعة الحروب المعاصرة، يمكن القول إن الولايات المتحدة وإسرائيل حققتا نصرًا عسكريًا تكتيكيًا، لكنهما تخسران المعركة السياسية الأوسع.

