نافذة مصر
بعض الآيات كانت تتنزل على النبي صلى الله علي وسلم لتناسب الأحداث التي يمر بها الصحابة رضوان الله عليهم، إما لتبين لهم بعض الأحكام، أو تصحح خطأ وقعوا فيه، أو تبين لهم ما خفي عنهم، أو تعطيهم الأمل في موعود الله عز وجل..
وقد تعلمنا من سلفنا الصالح رحمهم الله أن نقرأ القرآن وكأنه أنزل علينا..
ونحن نعيش في أيام مباركات، وفي نفحة من نفحات الله عز وجل، ومقبلون على يوم من أيام الله، وهو يوم عرفة اليوم المشهود، الذي أقسم الله به في كتابه الكريم فقال تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)، ففي الحديث الذي رواه وحسنه الإمام الترمذي وحسنه كذلك الإمام الألباني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة)..
ولن نستطرد في الحديث عن فضل يوم عرفات، ولكن لنا وقفة مع الآيات التي ذُكرت بعد قسم الله عز وجل باليوم المشهود.. يوم عرفات..
لك أن تتعجب وأنت تقرأ القرآن، عن اليوم المشهود وهو يوم عرفات القادم علينا، ثم تقرأ بعده الآية الكريمة التي تُلخص المشهد الذي عاشه أصحاب الدعوة الذين ألقوا في الأخدود ليحترقوا، ثم تربط كل ذلك بما يعانيه
أصحاب الحق وأصحاب الدعوة الآن، من اضطهاد ومطاردة وقتل وحبس، (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ)، وما فعله أصحاب الأخدود بالفئة المؤمنة والقلة المسلمة في ذلك الوقت، ما كان ذلك إلا لأمر واحد وفقط، وهو كما ذكره الله عز وجل (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)..
يجب ألا يمر علينا قسم الله عز وجل بيوم عرفات اليوم المشهود، وما تبعه من مقسوم عليه، وما نعيشه في هذه اللحظات من اضطهاد لأصحاب الحق والدعوة في كل أرجاء المعمورة، فلابد من ربط كل شيء ببعضه، ونتدارس القرآن وكأنه أنزل علينا في تلك اللحظة، ليقول للمؤمنين: إن ما يُفعل بالمؤمنين الآن ما هو إلا نقمة من الطغاة والظالمين على أصحاب الحق، وما كان ذنبهم في هذه الحياة إلا أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد..

ولكن لا تنتهي العبرة عند هذا الأمر وفقط، ولكن الرسالة القوية لأصحاب الحق والدعوة للمؤمنين والمجاهدين، أن استمروا في عملكم ودعوتكم ووقفتكم للحق؛ لأنه في النهاية أصحاب الحق هم المنتصرين.. قد تكون نهاية المؤمنين الذين ذكرهم الله في القصة بعد قسمه باليوم المشهود يوم عرفات مؤلمة، إلا أنهم في النهاية كانوا هم الفائزين وإن رأى الطغاة غير ذلك، لكن الأصل أن هناك أمل.. والأمل يتمثل في أمرين ذكرهما الله في نفس السورة:

الأول: وهو أن المؤمنين وأصحاب الحق إن لم يحالفهم النصر في الدنيا، ففي النهاية هم الفائزون أيضًا بجنات تجري من تحتها الأنهار فقال تعالى: (إِنَّ

الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ)..

الثاني: هو أن الله تكفل نيابة عنك بهلاك الظالمين والطغاة والمعتدين، حتى ولو كانت لهم قوة كبيرة تمثلت في حرق المؤمنين، كما في قصة أصحاب الأخدود، فالأمر بيد الله وكل شيء بإرادته، قال تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ).. وحتى يزداد المؤمنون إيماناً ويقيناً ذكر الله هلاك أقوام تكبروا وبغوا في الأرض فرعون وثمود، فكانت عاقبتهم خسراناً في الدنيا وجحيماً وناراً في الآخرة، وأنجى الله القلة المؤمنة.

ومما يعطينا الأمل أن الله عز وجل بالمرصاد للكافرين والمتربصين بالدعوة ومحيط بهم وبأفعالهم: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ).. يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: (فشأن الكفار وحقيقة حالهم أنهم في تكذيب يُمسون به ويُصبحون: «وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ».. وهم غافلون عما يحيط بهم من قهر اللّه وعلمه، فهم أضعف من الفئران المحصورة في الطوفان العميم!)..

وفي النهاية نقول: إن قسم الله باليوم المشهود - ولا يقسم الله إلا بشيء عظيم - مع ذكر قصة أصحاب الأخدود، مع قدوم يوم عرفات اليوم المشهود، مع ما يعيشه المسلمون من لحظات مؤلمة، لهي بشرى وأمل في موعود الله عز وجل بهلاك الظالمين، ونجاة القلة المؤمنة والتمكين لهم في الأرض.. لكن
ما علينا إلا أن نجتهد في هذا اليوم بالدعاء، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة) [رواه الترمذي وحسنه الألباني].