عادةً ما ينفّذ جنرالات الجيش الانقلابات العسكرية على الحكام السياسيين، وخصوصاً في تركيا، لكن يوم أمس حصل ما يشبه عكس ذلك، إذ نفّذ رجب طيب أردوغان ورفاقه ما يشبه الانقلاب على جنرالات الجيش، الذين حاولوا إثارة أزمة سياسية حادة انقلبت نتائجها سريعاً عليهم، ليصبح لتركيا قائد جديد للجيش يتوقع أن تكون علاقته مع الساسة المدنيين ألطف من السابق
هي الحكاية نفسها مجدَّداً. عسكر تركيا يفجّرون أزمة سياسيّة حادّة مع السلطة السياسية على خلفية سؤال أبدي عمره من عمر الجمهورية: لمَن يعود القرار الأول في البلاد؟ للجيش أم للسلطة السياسية ممثَّلة برئاسة الجمهورية والبرلمان والحكومة؟ سؤال اتّخذ للوهلة الأولى، مساء أمس، طابع الاستقالة الجماعية قبل أن يتحوّل في الإعلام التركي الرسمي إلى طلب تقاعد قادة جميع الجيوش التركية دفعة واحدة، الجيش البري والجوي والبحري مع رئيس الأركان عشق كوشانر.
في جميع الأحوال، أكانت استقالة أم طلب تقاعد، فإنّ الخطوة تُعدّ الأولى من نوعها منذ تأسيس الجمهورية عام 1923، وتأتي عشية انطلاق الاجتماعات السنوية التي تعقد في شهر آب من كل عام لـ «المجلس العسكري الأعلى» برئاسة رجب طيب أردوغان، لإقرار الترقيات العسكرية لكبار حملة الرتب، لكنّ ترقيات العام الجاري اتخذت طابعاً مميزاً، إذ أصرّ جنرالات الجيش على تحدّي القضاء والسلطة السياسية في البلاد، بهدف ترقية 41 ضابطاً من أصل 195، من بينهم جنرال يحمل أربع نجوم كان يفترض أن يكون القائد المقبل لسلاح الجو، يمثلون حالياً أمام المحاكم والتحقيق في جرائم العصر التركي: الاشتباه في تورُّطهم بمخطّطات عصابات «إرغينيكون» للانقلاب على حكومة حزب «العدالة والتنمية»، وخصوصاً عام 2003. رفض أردوغان ورفاقه توقيع لائحة الترقيات، فما كان من الجنرالات الأربعة إلا طلب الاستقالة أو التقاعد، فسارع أردوغان إلى تنفيذ ما يشبه الانقلاب المدني على الرؤوس الكبيرة للجنرالات، معيّناً بسرعة البرق قائداً جديداً لسلاح البر سيصبح في غضون ساعات رئيساً لأركان الجيش، هو قائد الشرطة الجنرال نجدت أوزل، الذي يتوقع أن يكون متعاوناً مع أردوغان، بدليل أن أوزل كان الجنرال الوحيد الذي رفض التقدم بطلب الاستقالة أو التقاعد شأنه شأن زملائه الأربعة، ووافق على تعيينه بمرسوم من أردوغان وموافقة من الرئيس عبد الله غول على وجه السرعة قائداً لسلاح البر، ونائباً لرئيس الأركان، إفساحاً في المجال لتعيينه رئيساً جديداً لأركان الجيش.
هذا هو السبب المباشر للأزمة التي حُسمت في العام الماضي، وفي الظروف نفسها، لمصلحة السلطة السياسية أيضاً، حين رفض أردوغان، ودعمه في حينها الرئيس غول، ترقية الضباط الموقوفين أنفسهم، في ما وُصف يومها بأنه ترحيل للأزمة إلى آب 2011... وهكذا حصل بالفعل. أما جوهر القضية، فأكبر من مسألة ترقيات، إنه الصراع بين السلطة المدنية وعسكر تركيا. صراع تشير متابعة تاريخه إلى أنه بات يتجه إلى مصلحة السلطة المدنية إلى حد كبير، بدليل أن خطوة الاستقالة الجماعية أو طلب التقاعد، بما هو قرار تراجع إلى الخلف، بعكس الخطوات الهجومية المعروفة عن الجيش التركي، هي غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية، ويمكن اعتبار أنها واحدة من آخر حبات عنقود تراجع الوزن السياسي للجيش، أو فصل أخير يمكن أن يطول سنوات إضافية في المعركة على السلطة بين الجيش والسياسيين. فصل أخير انطلاقاً من قاعدة أنّ مسلسل تدهور الوزن السياسي للمؤسسة العسكرية فُتح منذ تسلم إسلاميو «العدالة والتنمية» الحكم فعلياً قبل أقل من عشر سنوات، وقد شهد هذا المسلسل جولات وصولات بلغت ذروتها السلبية بالنسبة إلى الجيش في فضيحة «إرغينيكون» عام 2008، حين أحيل للمرة الأولى ضباط كبار وجنرالات الصف الأول، من متقاعدين وعاملين في الخدمة، على التحقيق والمحاكم بعدها.
وجاء اعتراف كوشانر، في وقت متأخر من المساء، ليؤكد شعور الجنرالات بالعجز ذاك، إذ نقل عنه موقع صحيفة «حرييت» على الإنترنت تأكيده أنه ترك منصبه «احتجاجاً على احتجاز ضباط من الجيش»، في إشارة إلى الضباط الـ 195 المعتقلين في السجون، وليدحض بذلك رواية التقاعد الإرادي التي روّجها الإعلام التركي الحكومي. وقال كوشانر «لقد انسحبت لأنني أصبحتُ عاجزاً عن إتمام واجباتي في حماية حقوق ضباطي كرئيس للأركان».
فاطمة كايابال, أرنست خوري (أخبار العالم)
طالع أيضاً :

