أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر يوم 6 مايو 2026 تحريك أسعار بعض خدمات الإنترنت والمحمول بنسب تتراوح بين 9% و15% شاملة الضرائب، ثم خرج وزير الاتصالات رأفت هندي ليقول إن الزيادة جاءت أقل مما طلبته الشركات، مع اشتراط تقديم خدمات وباقات إضافية للمستخدمين.
تضع هذه الزيادة المصريين أمام حلقة جديدة من الغلاء الرسمي، لأن الحكومة لم تكتف برفع أسعار الوقود والكهرباء والمياه والرسوم والخدمات، بل نقلت العبء إلى خدمة يومية يحتاجها الطالب والعامل والأسرة، ثم قدمت القرار باعتباره تحسينًا للخدمة لا اقتطاعًا جديدًا من دخل محدود.
زيادة الإنترنت تدخل ضمن موجة رفع الأسعار لا تحسين الخدمة
بعد إعلان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، أصبح المواطن أمام زيادة رسمية في خدمة لم تعد رفاهية، لأن الإنترنت يدخل في التعليم والعمل والتحويلات المالية والخدمات الحكومية، ولذلك فإن رفع سعره لا يمس الترفيه وحده، بل يضرب قدرة الأسر على إدارة تفاصيلها اليومية وسط دخل فقد جزءًا كبيرًا من قيمته.
في المقابل، يحاول الخطاب الحكومي تخفيف وقع القرار عبر القول إن الزيادة جاءت أقل من طلبات الشركات، لكن هذه الصياغة لا تغير حقيقة أن المواطن سيدفع أكثر في النهاية، لأن المقارنة الحقيقية ليست بين طلب الشركة وموافقة الجهاز، بل بين السعر الجديد ودخل الأسرة بعد موجات غلاء متتالية.
لذلك، تكشف الزيادة عن نمط ثابت في إدارة الملف الاقتصادي، إذ تسمح الحكومة بتحريك أسعار الخدمات الأساسية تباعًا، ثم تبرر القرار بكلفة التشغيل والاستثمار وتحسين الجودة، بينما يغيب السؤال الأساسي عن شفافية أرباح الشركات وعن قدرة المواطنين على تحمل فاتورة جديدة داخل شهر مثقل بالالتزامات.
وهنا يخدم رأي الخبير الاقتصادي وائل النحاس هذا المحور بوضوح، لأنه أكد أن شركات الاتصالات تحقق أرباحًا من بنود أخرى مثل المحافظ الإلكترونية والتطبيقات والمنصات، وأن الحل الأسهل لا يجب أن يكون تحميل المواطن العبء، وهي خلاصة تضرب منطق التبرير الحكومي من أساسه.
الحكومة ترفع الخدمة وتترك الدخل تحت ضغط الغلاء
ثم يأتي القرار في وقت تعلن فيه بيانات التضخم استمرار ضغط الأسعار على المواطنين، حتى مع تراجع المعدل السنوي في بعض الشهور، لأن الأسرة لا تتعامل مع النسبة الشهرية كرقم منفصل، بل تتعامل مع فاتورة طعام ومواصلات وكهرباء واتصالات ومدرسة ودواء تدفعها كلها من نفس الدخل.
وعلى هذا الأساس، لا تبدو زيادة الإنترنت قرارًا منفصلًا عن باقي الزيادات، بل تأتي ضمن مسار طويل نقل كلفة الأزمة إلى الناس، لأن الحكومة رفعت أسعار خدمات متعددة خلال السنوات الأخيرة، ووسعت الرسوم، وقلصت هامش النجاة لدى الطبقة الوسطى والعمال والطلاب وأصحاب الدخول غير المنتظمة.
كذلك، يدعم الخبير الاقتصادي ممدوح الولي هذا المحور حين يرى أن كلما ارتفع الغلاء زاد الفقر وارتفعت حصة الغذاء من الدخل، وهي قراءة تجعل زيادة خدمة مثل الإنترنت أكثر قسوة، لأن الأسرة التي يبتلع الطعام جزءًا أكبر من دخلها ستجد نفسها مضطرة لتقليل الاستهلاك أو الاستدانة.
وبناء على ذلك، تصبح عبارة توفير خدمات أكثر ستارًا ضعيفًا أمام عبء مباشر، لأن المواطن لا يطلب باقات بأسماء جديدة بقدر ما يطلب سعرًا يناسب دخله وجودة حقيقية مستقرة، كما أن إتاحة مواقع حكومية أو تعليمية بعد انتهاء الباقة لا تعالج تكلفة الاستخدام اليومي ولا ضغط الدراسة والعمل عن بعد.
شركات تربح ومواطن يدفع والدولة تكتفي بدور الوسيط
في السياق نفسه، يظهر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات كجهة وافقت على الزيادة بعد دراسة طلبات الشركات، لا كجهة دافعت عن المستخدمين بقرار يثبت الأسعار أو يكشف للرأي العام بنود التكلفة والأرباح، ولذلك يشعر المواطن بأن الدولة تفاوض بالنيابة عن الشركات أكثر مما تحمي جيبه.
ومع ذلك، يضيف القرار باقات منخفضة التكلفة ضمن عنوان الشمول الرقمي، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم، لأن الشمول لا يعني إدخال الفقراء إلى خدمة أغلى، بل يعني ضمان خدمة مستقرة بسعر لا يطردهم من الاستخدام، خصوصًا مع تحول خدمات حكومية وتعليمية كثيرة إلى المنصات الرقمية.
ومن هذه الزاوية، يخدم موقف الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق هذا المحور باعتباره أحد أبرز الأصوات المستقلة التي انتقدت بنية السياسات الاقتصادية في مصر، لأن مساره في نقد توزيع الموارد والفساد وإهدار المال العام يضع الزيادة داخل سؤال أوسع عن أولويات الدولة لا داخل كلفة تشغيل فقط.
لذلك، لا تبدو الأزمة في نسبة 9% أو 15% وحدها، بل في طريقة إدارة الدولة للخدمات العامة، إذ تترك المواطن بين شركات تطلب رفع الأسعار وحكومة توافق جزئيًا ثم تطلب منه قبول القرار، بينما لا تقدم آلية شفافة لقياس الجودة أو محاسبة الشركات إذا بقيت الخدمة ضعيفة.
ختامًا، تكشف زيادة أسعار الإنترنت أن حكومة السيسي تواصل تحويل كل خدمة إلى باب جباية جديد، لأن المواطن الذي دفع ثمن تعويم العملة وارتفاع الوقود والكهرباء والسلع بات يدفع الآن ثمن الاتصال بالعالم والعمل والتعليم، وحين يصبح الإنترنت عبئًا إضافيًا لا خدمة ميسرة، فإن الدولة لا توسع الشمول الرقمي بل توسع الفقر الرقمي.

