4/09/2009

شهدت الفترة الثانية للرئيس الأمريكي الأسبق "جورج دبليو بوش" صعودًا سياسيًّا للحركات الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط خلال عملية انتخابية ديمقراطية. ففي الانتخابات التشريعية اللبنانية لعام 2005 حصل حزب الله اللبناني على 10.9 في المائة من مقاعد البرلمان. وفي الانتخابات التشريعية المصرية لعام 2005 حصلت جماعة الإخوان المسلمين ـ المحظورة رسمية من قبل النظام المصري والتي خاض مرشحوها الانتخابات كمرشحين مستقلين ـ على 20 في المائة من مقاعد البرلمان المصري، لتشكل بذلك أكبر قوى معارضة في الشارع السياسي المصري. وفي الانتخابات الفلسطينية التشريعية لعام 2006 حصلت حركة حماس على 57.6 من مقاعد البرلمان الفلسطيني.

ومع تولي إدارة أمريكية جديدة سدة الحكم في العشرين من يناير الماضي أُثيرَ تساؤلان رئيسان أولهما: هل الإدارة الأمريكية ستتبنى سياسة مغايرة لسياسة الإدارة السابقة التي قاطعت تلك الحركات التي صعدت سياسيًّا خلال انتخابات ديمقراطية بشهادة منظمات دولية أمريكية وغربية؟. وثانيهما: ما الاستراتيجية التي ستتبناها إدارة "أوباما" تجاه الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط؟

أجاب الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" على السؤال الأول في خطابه بجامعة القاهرة في الرابع من يونيو الماضي قائلاً: "إن أمريكا تحترم حق جميع من يرفعون أصواتهم حول العالم للتعبير عن آرائهم بأسلوب سلمي يُراعي القانون، حتى لو كانت آراؤهم مخالفة لآرائنا، وسوف نرحب بجميع الحكومات السلمية المنتخبة، شرط أن تحترم جميع أفراد الشعب في ممارستها للحكم". وهي كلمات تحمل تغيرًا في السياسة التي تبنتها إدارة "بوش" الابن مع الحركات الإسلامية التي فازت في انتخابات ديمقراطية. فكلمات أوباما تُشير إلى اعتراف أمريكي بنتائج الانتخابات الديمقراطية التي تفوز فيها الحركات الإسلامية. ولكن سياسة أوباما تجاه الحركات الإسلامية التي فازت في انتخابات ديمقراطية مقرونة بإعلانها التخلي عن العنف كأحد أدواتها السياسية، والالتزام بمبادئ العملية الديمقراطية.

أوباما وحماس من العزلة إلى الانفتاح

أولى تلك الحركات الإسلامية التي شهدت صعودًا سياسيًّا هي حركة حماس التي فازت بأغلبية مقاعد البرلمان الفلسطيني في عام 2006. ذلك الفوز وضعَ إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق "جورج دبليو بوش" أمام خيارين. أولهما: قبول نتائج تلك الانتخابات تحت مسمى العملية الديمقراطية أو رفض قبولها تحت ادعاء الحفاظ على عملية السلام؛ لتبني الحركة سياسات العنف والقوة المسلحة. وعلى الرغم من إعلان الحركة عن نفسها أنها بطلٌ للمُثل الديمقراطية التي تنادي بها إدارة "بوش"، إلا أن إدارة بوش سَرعان ما تخلت عن المبادئ الديمقراطية التي كانت تنادي بها، وقطعت علاقاتها مع الحكومة الفلسطينية التي شاركت فيها حركة حماس. وقالت إدارة "بوش" حينذاك: إنه إذا كانت حركة حماس هي الزعيم الشرعي للفلسطينيين فإن آمال تحقيق تسوية للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ستتلاشى.

ومن الجدير بالذكر أن حركة حماس مصنفة من قبل وزارة الخارجية الأمريكية على أنها أحد المنظمات الإرهابية الخارجية. واستنادًا إلى هذا التصنيف تقول الإدارة: "إن الحركة تستخدم كافة الوسائل السياسية والعنف بما في ذلك الإرهاب للسعي لتحقيق أهدافها لإقامة دولة فلسطينية إسلامية على الأراضي الإسرائيلية".

ومع تولي إدارة جديدة حكم الولايات المتحدة، تبنت إدارة "أوباما" سياسة مغايرة عن سياسات الإدارة السابقة. فعلى عكس إدارة "بوش" تبنى "أوباما" سياسة تجاه الحركات الإسلامية الشرق أوسطية قوامها التقارب والحوار معها ولكن بشروط تسبق هذا الحوار والانفتاح عليها. ففي خطابه غير المسبوق من جامعة القاهرة في الرابع من يونيو المنصرم قدم "أوباما" مبادرة لاعتراف الولايات المتحدة بالحركة في حال نبذها للعنف والإرهاب والاعتراف بإسرائيل والتقيد بالاتفاقيات السياسية السابقة قبل الحصول على الاعتراف الأمريكي، حيث إن معتقدات الحركة ليست مقبولة من قبل الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من الانفتاح الأمريكي على حركة حماس، والذي عبرت عنه كلمات "أوباما" من جامعة القاهرة والاستجابة الإيجابية ـ نسبيًّا ـ من الحركة لهذا الانفتاح الأمريكي، إلا أن الحركة أكدت على التزامها لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي بأي وسيلة بما فيها العنف. فقال المتحدث باسم حركة حماس"فوزي برهوم" :"إن الشيء الإيجابي الذي نأخذه من خطاب أوباما (بالقاهرة) هو فتح الاتصال مع "أوباما" والإدارة الأمريكية (الجديدة)". ويضيف رئيس المكتب السياسي للحركة "خالد مشعل" إن حركة حماس مستعدة لبذل جهودٍ على الصعيد الدولي لتحفيز عملية السلام، ولكن هذا مشروط ببذل الولايات المتحدة جهدًا لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. وفي الوقت ذاته أكد على التزام حركة حماس بخيار المقاومة كخيار استراتيجي لتحرير الوطن واستعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة. مؤكدًا أن حماس ستتعاون فقط عندما يكون الوقت والتعاون مناسبين.

معارضة يمينية للانفتاح الأمريكي على حماس

هناك اتفاق في الرأي على أن الرئيس "أوباما" انتهج الطريق الصحيح في رفضه الحوار مع حماس إلى حين نبذها للعنف والاعتراف بإسرائيل. ويعتقد كثيرون أن الرئيس أوباما لديه رغبة في إحداث تحول في أهداف الحركة؛ لأن عينيه على هدف نهائي هو التعايش السلمي بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية. ويرى المجتمع المحافظ السياسي الأمريكي أن كلمات "أوباما" التي جاءت في خطابه إلى العالم الإسلامي بخصوص الحركات الإسلامية بالمنطقة ضعيفة؛ ولذا ينصح أنصاره بأن يتخذ أوباما موقفًا أكثر صرامة في مواجهة "حماس" وغيرها من الحركات الراديكالية.

وفي هذا السياق يرى كل من ليزا كورتس Lisa Curtis وجيمس فيليبس James Phillips، الباحثين بمؤسسة هيريتدج Heritage Foundation، أحد مراكز الفكر القريبة من الاتجاه المحافظ، أن مبادرة أوباما إلى مد يد العون لحركة حماس لها عواقب عدة أهمها  تهوين الرئيس الأمريكي من التهديد الذي تمثله الحركة لإسرائيل وللفلسطينيين أنفسهم.

ــــــــــــــــــــــــــ

تقرير واشنطن ـ كرستوفر جوتش