الأمور التي قد كُشفت عن وزير الدفاع الأمريكي السابق تُظهِر أنه كارثة أكبر مما كنتَ تتصور.
بالنسبة لهؤلاء الذين كانوا يهتمون بالحرب على العراق لم تَعُد عدم كفاءة دونالد رامسفيلد الإدارية سرًّا، وفي مذكراته لعام أمضاه في العراق يروي بول بريمر (رئيس الإدارة الأمريكية السابق في العراق) تقارير عديدة تُثِير الجنون والغضب حول تعنُّت وعناد رامسفيلد وإدارته للأمور التي تتسم بالاهتمام بالتفاصيل الدقيقة للأمور في الوقت الذي يراقب فيه انزلاق العراق نحو التمرُّد في الأيام الأولى للاحتلال الأمريكي.
وقد ذكر باحث ستانفورد ومستشار الاحتلال الأمريكي لاري ديموند, في كتابه «النصر المبدَّد» وثائقَ لأخطاء عديدة لمحاولة الولايات المتحدة في إعادة بناء الدولة العراقية المُحَطّمة, حيث صرَّح لمجلة فورين بوليسي "السياسة الخارجية" في عام 2006 "أنّ التاريخ سوف يُعلِّق دونالد رامسفيلد على أسِنَّة الشِّواء", واصفًا إياه بـ "أنه عمومًا واحدٌ من أكثر وزراء الدفاع الأمريكيين شؤمًا وكارثية منذ إنشاء هذا المنصب بعد الحرب العالمية الثانية".
وفي مقال جديد مذهل للكاتب روبرت درابر في مجلة "جي كيو", وهو مؤلف كتاب «الموت المحقق» (الذي تناول فترة رئاسة جورج دبليو بوش) حيث ذهب إلى أبعد من ذلك حيث الحديث عن عادات رامسفيلد السيئة، ومن بين ما كشفه هذا المقال: قيام رامسفيلد بتأخير نشر القوات الأمريكية خمسة أيام بعد ضرب إعصار كاترينا لمدينة نيوأورليانز.
ولنا أن نقول, أن رامسفيلد, كان بالأحرى له أسلوب من الطراز القديم تجاه زميلاته في العمل. كما أن عددًا من تقارير البنتاجون الاستخباراتية للمستجدات العالمية, والتي كان غالبًا ما يقوم رامسفيلد بتسليمها يدًا بيد للرئيس, كانت تحتوي على آيات ملهمة من الإنجيل، ويبدو أنها كانت من أجل التأثير على مشاعر الرئيس النصراني المتدين، والتي لا يشاركه رامسفيلد إياها".
والأكثر سخونة في المقال, بالطبع, ما ذكره أن العديد من زملاء رامسفيلد السابقين كانت لديهم الرغبة في نشر الكثير من غسيله القذر.
وفي محاولة منقوصة للدفاع عن رامسفيلد في "جرين روم"- برنامج تَبثّه قناة "أي بي سي"- أظهرت ليز تشيني- ابنة ديك تشيني, حليف رامسفيلد السابق في إدارة بوش، "مبالغة في دعم الوزير رامسفيلد الذي رأيناه في وسائل الإعلام الليبرالية". وقد ذكرها جيمس كارفيل المشارك في المناقشة أن درابر قد أعطَى مدخلاً غير مسبوق للبيت الأبيض في عهد بوش، وبالتأكيد لم يكن أمرًا مرجحًا قد تقوم به الإدارة سيئة السمعة لسياسي أخرق من الجناح اليساري.
ورامسفيلد, مثل تشيني, كان جيدًا بالمقام الأول في شيء واحد وهو الصراع السياسي والبيروقراطي. فقد عرف كيف يدير هذا النظام؛ حيث يُوقع الأحزاب المتنافسة ببعضها من أجل تحقيق طريقته. أما في الأمور التي لم يمكنه فيها تحقيق طريقته, فكان يعرف جيدًا كيف يُعيق ما يُحققه الآخرون، مثلما كان قادرًا على تأجيل إنشاء لجانٍ عسكرية للمعتقلين المتهمين بالإرهاب لمدة خمس سنوات.
ورامسفيلد ربما كان فقط قادرًا على تجنب الفشل, إذا لم تكن فترة تولّيه لهذا المنصب حدثت خلال أهم الأحداث في تاريخ أمريكا الحديث وبشكل ما ينطبق هذا أيضًا مع الإدارة التي خدمها. ولكن بعد ذلك, نقول إن هذا يرجع جزئيًا إلى خياراته هو ورؤساؤه والتي أنتجت تلك السنوات المدمرة.
عند قراءة وإعادة عرض حماقات دونالد رامسفيلد مرة أخرى ثمة خطر ما يتمثل في أن جزءًا كبيرًا جدًا من اللوم يقع على هؤلاء الرجال اللذين استخدموه وأعطوه السلطة ودافعوا عنه، ويتقدم هؤلاء الرجال جورج بوش وديك تشيني.
ومن غير المعروف ما إذا كان من الممكن تجنُّب هجمات 11سبتمبر, ولكن بالتأكيد فإن المسئولية الكبرى تتحملها الإدارة والتي كان ينبغي عليها إبداء اهتمام أكبر بالتحذيرات من قدوم تنظيم القاعدة والتي أصدرها أشخاص مثل ريتشارد كلارك، والذي أنزلته إدارة بوش من مرتبته.
وإذا ما اهتمت بذلك, فلم تكن الإدارة الأكثر تحملاً للمسئولية, على الأرجح, لتعلن الحرب على بعض الآلاف من الإسلاميين المتشددين، وبهذه الطريقة أكدت على وضعهم كطليعة مقاتلين ثورة عالمية، ولم تكن, على الأرجح, لتجتاح أفغانستان ثم تحاول التخلي عنها. وبالتأكيد لم تكن الإدارة الأكثر تحملاً للمسئولية لتجتاح العراق.
من حظّ أمريكا السيئ أن هؤلاء كانوا يتولون تلك المناصب.

