في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الحرب في الخليج، تتكشف تداعيات اقتصادية وإنسانية متسارعة تمس حياة ملايين المصريين العاملين في دول المنطقة، حيث لم يعد القلق مقتصرًا على تطورات المشهد السياسي، بل امتد ليهدد الاستقرار الوظيفي ومستقبل المدخرات وخطط الحياة. وبين تراجع فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، واحتمالات انخفاض التحويلات المالية التي تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد المصري، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة هذا النموذج على الصمود أمام تقلبات لا يملك العاملون أي قدرة على التحكم فيها.

 

وذات يوم استيقظ مهندس الإنشاءات إبراهيم الديب في مدينة الخبر السعودية على خبر لم يكن عاديًا بالنسبة له، بل كان صادمًا وشخصيًا إلى حد الفزع. فقد علم بفشل المفاوضات بين واشنطن وطهران، وهو ما ينذر بعودة العمليات العسكرية واستمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بعد 65 يومًا من اندلاعها، بما يهدد استقرار دول الخليج.

 

لم يتردد الديب لحظة، فبادر بالاتصال بأخيه في القاهرة ليسأله عن قطعة الأرض التي بدأ إجراءات حجزها بالدولار ضمن مشروع حكومي مخصص للمغتربين، وطلب منه التوقف فورًا عن استكمال الأوراق، خوفًا من عدم قدرته على سداد الالتزامات المالية.

 

خطة العمر تتعثر.. حين تصطدم الأحلام برياح السياسة

 

كان الديب قد رسم لنفسه خطة واضحة: عشر سنوات من العمل المستقر في الخليج ليحقق حلم بناء منزل في مصر، يضمن به استقرار أسرته ويخرجها من دوامة القلق المرتبطة بالسكن.

 

لكن مكالمة واحدة كانت كفيلة بأن تجعل هذه الخطة كلها معلقة على عامل خارج عن إرادته: "حرب في الخليج".

 

لم يكن خوفه فقط من فقدان وظيفته، بل من حالة عدم اليقين التي جعلت المستقبل أقل وضوحًا، خاصة مع تباطؤ قطاع المقاولات وارتفاع الأسعار، وهو ما بدأ يلتهم مدخراته تدريجيًا.

 

ومع مرور الأيام، بدأت المؤشرات المقلقة تتزايد؛ عمال مصريون يعودون من الإمارات والكويت والبحرين، وتراجع فرص العمل الجديدة في السعودية وقطر، وتأجيل مشروعات كبرى، فيما تقف مصر في حالة انتظار لنتائج لا تبدو قريبة.

 

في تلك اللحظة، أدرك الديب أن قلقه لم يعد فرديًا، بل يعكس حالة أوسع يعيشها ملايين المصريين في الخليج، الذين يطرحون السؤال ذاته: هل ما زالت الوظيفة قادرة على تأمين الاستقرار الذي سعوا إليه؟

 

الوظيفة تحت الضغط.. حين تتحول التحويلات إلى رهينة التوترات

 

يتقاطع هذا القلق مع تحذير رئيس البنك الدولي أجاي بانغا، الذي أكد أن الوظيفة هي الوسيلة الأكثر فاعلية لمكافحة الفقر، لكن الأزمة الحالية كشفت أن هذه الوظيفة نفسها أصبحت عرضة للتقلبات الجيوسياسية.

 

وبالنسبة لمصر، لا يتعلق الأمر فقط بالعمالة، بل بنموذج اقتصادي كامل يعتمد بشكل كبير على تحويلات العاملين بالخارج، التي بلغت نحو 41.5 مليار دولار في 2025، وفق البنك المركزي، وهو رقم تاريخي جعلها أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، متقدمة في بعض الفترات على السياحة وقناة السويس.

 

هذا الاعتماد جعل التحويلات بمثابة "صمام أمان" للاقتصاد، لكنه صمام قابل للاهتزاز مع تصاعد التوترات في الخليج.

 

تشير بيانات وزارة العمل والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن أكثر من 11 مليون مصري يعملون بالخارج، يتركز نحو 65% منهم في دول الخليج، أي ما يقارب 7 ملايين عامل، تتصدرهم السعودية بنحو 3 ملايين، تليها الإمارات والكويت وقطر، بينما توجد أعداد أقل في سلطنة عمان والبحرين والعراق، إلى جانب أكثر من 800 ألف مصري في الأردن.

 

وتتركز هذه العمالة في قطاعات البناء والخدمات والنقل، وهي القطاعات الأكثر تأثرًا بأي تباطؤ اقتصادي أو ارتفاع في التكاليف.

 

وبحسب تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد، فإن كل زيادة بنسبة 10% في أسعار الطاقة ترفع تكلفة المعيشة في الخليج بنسبة تتراوح بين 3% و5%، ما يعني ارتفاع الإنفاق وتراجع الادخار، وبالتالي انخفاض التحويلات المتوقعة.

 

ومع هذا التباطؤ، بدأت شركات في قطاعات التشييد والخدمات تؤجل مشروعاتها، وتقلص التوظيف الجديد، ما يخلق بيئة أكثر هشاشة للعمالة الوافدة، خاصة منخفضة المهارة.

 

تداعيات أوسع.. اقتصاد تحت الضغط وحلول مطلوبة

 

يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية ومدير منظمة العمل العربية السابق، إبراهيم عوض، أن استمرار الحرب، خاصة في حال إغلاق مضيق هرمز، سيؤثر سلبًا على النشاط الاقتصادي في الخليج، ويمتد تأثيره إلى العمالة الأجنبية، ومن بينها الملايين من المصريين.

 

وأشار إلى أن هذه الدول تعتمد بشكل أساسي على عائدات النفط لتمويل نشاطها الاقتصادي واستقدام العمالة، ومع استمرار الحرب قد تتجه إلى خفض الأجور أو تقليص أعداد العمال، ما قد يؤدي إلى عودة أعداد كبيرة منهم إلى بلدانهم.

 

كما حذر من أن توقف تصدير النفط والغاز من الخليج، الذي يمثل نحو 20% من الإمدادات العالمية، سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، خاصة في مصر التي تعتمد على الاستيراد، بالتزامن مع تراجع إيرادات قناة السويس والسياحة، وهو ما يخلق ضغوطًا تضخمية كبيرة.

 

هذه الضغوط ستؤدي إلى تآكل مدخرات العائدين من الخارج، وزيادة أعباء المعيشة على من يواصلون العمل في الخليج.

 

ودعا عوض الحكومة إلى وضع خطة عاجلة لدعم المصريين في الخارج، سواء لمساعدتهم على الحفاظ على وظائفهم، أو لتأهيلهم لسوق العمل المحلي في حال عودتهم، خاصة أن السوق المحلية تعاني بالفعل من ارتفاع معدلات البطالة واتساع القطاع غير الرسمي.

 

ويتوقع محللون أن تتراجع تحويلات المصريين بما يتراوح بين 4 و6 مليارات دولار خلال العام الجاري، وهو ما يمثل صدمة قوية لاقتصاد يعاني أصلًا من ضغوط على العملة، حيث سيؤدي ذلك إلى نقص المعروض من الدولار، وزيادة الضغط على سعر الصرف، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القوة الشرائية للأسر، إضافة إلى تأثر سوق العقارات المعتمد على مدخرات المغتربين.

 

في ظل هذا المشهد المتقلب، تتزايد المخاطر التي تتهدد حياة المصريين العاملين في الخليج، ليس فقط على مستوى الوظائف، بل على مجمل الاستقرار المعيشي. فالتباطؤ الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة قد يقلصان فرص العمل ويضغطان على الأجور، بينما تظل احتمالات تقليص العمالة أو عودة أعداد كبيرة إلى الداخل قائمة في حال تصاعد الأزمة. ومع تراجع القدرة على الادخار، تصبح خطط المستقبل—من السكن إلى تعليم الأبناء—أكثر هشاشة، في وقت تتسع فيه الضغوط على الاقتصاد المصري نفسه. وبين القلق من فقدان الفرص في الخارج وصعوبة البدائل في الداخل، يجد ملايين المغتربين أنفسهم أمام مرحلة دقيقة تتطلب استعدادًا واقعيًا لمواجهة سيناريوهات أكثر تعقيدًا.