شكك خبراء اقتصاديون في قدرة برنامج حكومة السيسي الجديدة على تحقيق توزان بين رغبة الدولة في التخلص من أعباء الدعم الذي يعتمد عليه محدودو الدخل، وبين وعودها في القضاء على الفقر الذي اتسعت رقعته؛ بعد سلسلة الإجراءات الاقتصادية القاسية.

وذكر رئيس حكومة الانقلاب، مصطفى مدبولي، خلال عرض برنامج حكومته أمام برلمان العسكر قبل يومين، أن هناك توسعا في برامج الحماية الاجتماعية، وتوفير مظلة تأمينية للمصريين في الخارج، وتطوير منظومة الخدمات التموينية، الأمر الذي قابله محللون بتشكيك وتفنيد.

دولة بلا التزامات ولا فقراء

وقال المستشار الاقتصادي، أحمد خزيم إن "برنامج الحكومة هو رؤيتها وانحيازاتها لمدة عام خلال العام المالي 2018-2019، وما سمعناه كان مجرد مقاطع إنشائية لا تلزم الحكومة مكتملة بأي التزام، وتخالف الدستور ولا يتم الاسترشاد به في الإنفاق على برامج الصحة والتعليم".

وسخر من قول رئيس الحكومة بأنه لن يبقى فقير في مصر، قائلا: "عندما نعلم أن إيرادات الدولة 980 مليار جنيه منها 540 مليار جنيه فوائد ديون، فكيف ستنفق على تحسين جودة التعليم والصحة؟".

وأشار إلى أن "حكومة السيسي فشلت في القيام بإصلاح مالي ونقدي بعد فشلها في جذب استثمارات حقيقية رغم حصولها على قروض ومنح وسندات تُقَدر بنحو 10 مليارات دولار سنويا".

وأكد أن الحكومة "تريدها دولة بدون التزامات تجاه المواطنين، في تناقض واضح مع قول رئيس الحكومة أنه لن يجعل فيها فقيرا، فكيف ذلك وبرنامج الحكومة شيء ممسوخ، ثم تخرج علينا الصحافة لتدلس على المواطنين بالقول "وبدأت العوائد الاقتصادية"، أين هي العوائد ورئيس الجمهورية يقول إنه (ليس معه ما يدفع به الفوائد والأقساط)؟".

حماية الدولة لا المواطن

وفند أستاذ الاقتصاد، أشرف دوابه، فلسفة برنامج حكومة السيسي الاقتصادي، قائلا: "الحكومة لا يشغلها سوى تثبيت أركان الدولة في ما يخص رأس النظام (السيسي)، وليس في ما يخص المواطن المسكين المطحون بقراراته".

وحذر في تصريحات لـ"عربي21" من استمرار نهج سلطات الانقلاب في "توريط مصر في مستنقع الديون، وتحميل المواطنين أوزارها وأوزار فوائدها دون عوائد حقيقية، أو تحسين مستواهم المعيشي، أو الارتقاء بالخدمات المقدمة لهم".

ولفت إلى أن "برامج حماية الفقراء التي تتشدق بها الحكومة غير مجدية، فبرنامج قرض صندوق النقد واضح في حث النظام على رفع الدعم، وزيادة الضرائب، التي ارتفعت بنسبة 100 بالمائة خلال أربع سنوات لتصل لأكثر من 760 مليار جنيه أي بأكثر من 75 بالمائة من موازنة الدولة، وخلال العام المقبل سوف يكون قد انتهى معظم الدعم إن لم يكن كله".

واختتم حديثه بالقول إن "معدل النمو إذا كان لا يعكس معايش الناس، فلا برهان له ولا قيمة لذاته. وما قيمة زيادة معدل النمو مع زيادة في الفقر تفوقه أضعاف مضاعفة بعد أن أخذ السيسي من جيوب الشعب ما يفوقه باسم الإصلاح الاقتصادي الذي ما هو إلا إفساد اقتصادي متعمد لتجريف مصر بشرا وحجرا واقتصادا".

بناء دولة العسكر لا الشعب

وأكد النائب السابق، أسامة سليمان، أن" برنامج حكومة السيسي جمل إنشائية متكررة في الشكل والمضمون، وتتسم بالحماسة ودغدغة عواطف البسطاء، والواقع أن الحكومات كلها كانت سببا مباشرا في تخريب وتأخير تحقيق هذه المحاور. فما الجديد الذي قدمه مدبولي؟".

وتساءل سليمان: "كيف تتحقق حماية الأمن القومي وقائد الانقلاب ضيع حقوق مصر في مياه النيل، وغاز شرق المتوسط، والسيادة على جزيرتي تيران وصنافير؟ كيف تتحقق التنمية الاقتصادية والطبقة المتوسطة تنحدر بقوة نحو محدودة الدخل والطبقة الفقيرة تحولت إلى الطبقة المعدومة التي لا تجد قوت يومها ويطحنها غلاء الأسعار؟".

واستدرك بالقول: "ما يقوم به مدبولي مثل سابقيه لم يتغير ولن يتغير، ولا يملك أصلا أن يغيره، هذا لو كان يملك وحكومته رؤية للتغيير المنشود للدولة المصرية؛ لأن المؤسسة العسكرية لا يعنيها الشعب ولا معاناته بقدر ما يعنيها الطبقة الغنية، والتي معها مقاليد السلطة، وفساد رؤوس الأموال، وكل التشريعات الآن تدور في إطار حماية قادة العسكر ومن يواليهم وليس حماية الأمن القومي".

وتابع: "كذلك فإن التنمية الاقتصادية هي لعائلات العسكر ومن يواليهم، وليست التنمية الاقتصادية للشعب المصري بأي حال، وما يمكن تحقيقه من هذه المعادلة من وجهة نظرهم هو الاستقرار المبني على الخضوع والاستعباد، وهذا لن يدوم بحكم التاريخ والواقع".