د. صالح المطيري
إعلامي كويتي
تجاوزت المواجهة العسكرية المباشرة التي تشهدها المنطقة حاليا مرحلة جس النبض، أو الاشتباك المحدود لتضع الإقليم بأسره أمام استحقاق جيوسياسي لم يعد من الممكن تأجيله.
ونجد اليوم أن قواعد الصراع والتوازن الإستراتيجي التي سادت لعقود قد تآكلت تماما تحت وطأة الصواريخ والمسيرات التي عبرت الحدود، لتنهي عصر حروب الوكالة وتنتقل بنا إلى صدام مباشر، تظهر فيه طهران كطرف لا يستطيع العيش من دون تصدير أزماته الهيكلية إلى الجوار العربي.
وتتمثل الحقيقة الميدانية في أن دول الخليج التي استثمرت لسنوات في مشاريع التنمية الكبرى، وتصفير الأزمات، تجد نفسها الآن مضطرة للتعامل مع واقع يرفض فيه النظام الإيراني التحول إلى دولة طبيعية تحترم سيادة جيرانها، وتلتزم بمتطلبات القانون الدولي.
وتأتي هذه التطورات في لحظة حرجة يحاول فيها العالم استيعاب التحولات الاقتصادية الكبرى، بينما تصر طهران على تحويل الممرات المائية والمجال الجوي الإقليمي إلى ساحة لابتزاز القوى الكبرى، وتحصيل مكاسب سياسية على حساب أمن واستقرار شعوب المنطقة.
إن القراءة المتأنية للمشهد تظهر أن محاولات التقارب التي جرت في العامين الماضيين لم تكن بالنسبة للجانب الإيراني سوى تكتيك لامتصاص الضغوط الاقتصادية، وليست تغييرا إستراتيجيا في العقيدة السياسية للنظام.
ونلحظ بوضوح أن الحرس الثوري استمر في تعزيز نفوذه داخل العواصم العربية التي تقع تحت سيطرته، ولم تتوقف عمليات تهريب الأسلحة أو دعم المليشيات المسلحة يوما واحدا حتى في ذروة التفاهمات الدبلوماسية.
هذا السلوك يؤكد أننا أمام بنية سياسية ترى في الاستقرار الإقليمي تهديدا لوجودها، وفي الفوضى بيئة مثالية للتمدد. وحين نقارن بين مشروع البناء والإعمار الذي تقوده العواصم الخليجية، وبين مشروع الهيمنة الذي تتبناه طهران ندرك أن المواجهة الحالية هي بين مفهومين متناقضين للدولة.
فالأولى تسعى لربط المنطقة بسلاسل التوريد العالمية وتحويلها إلى مركز لوجيستي وتكنولوجي، بينما تسعى الثانية لربط المنطقة بسلسلة من الأزمات الأمنية التي لا تنتهي، ومن دون فهم هذا التناقض الجذري لا يمكن بناء رؤية سياسية دقيقة لما يجري في الميدان اليوم.
وبالنظر إلى تداعيات الحرب الحالية نجد أن أمن الطاقة والملاحة العالمية صار رهينة في يد طرف يستخدم المسيرات كأداة للتفاوض، ويحاول فرض واقع جديد يعطي لنفسه الحق في تعطيل التجارة العالمية متى شاء.
تدرك دول الخليج جيدا أن هذا النوع من الابتزاز لا يمكن السكوت عنه؛ لأنه يستهدف عصب الحياة الاقتصادية لجميع دول العالم وليس فقط للدول المطلة على الخليج العربي.
ومن هنا يأتي الإصرار الخليجي على ضرورة وجود موقف دولي حازم يتجاوز لغة التنديد والمطالبة بضبط النفس، فالطرف الذي يبدأ بإطلاق الصواريخ نحو المنشآت المدنية والممرات المائية هو من يتحمل مسؤولية التصعيد، ولا يمكن مساواته بالدول التي تدافع عن سيادتها ومصالحها الوطنية.
وفي هذا السياق يبدو أن الرهان على دور أمريكي حاسم قد بدأ يتراجع لصالح رؤية خليجية تعتمد على الذات، وتعزز التحالفات الإقليمية القادرة على حماية الأمن القومي العربي من دون ارتهان كامل لتقلبات السياسة في واشنطن.
وعلى صعيد آخر، تبرز الأزمة الداخلية الإيرانية كعامل أساسي في دفع النظام نحو هذه المواجهة الشاملة؛ فالوضع الاقتصادي المتدهور في الداخل، واتساع الفجوة بين السلطة والشارع دفعا بالقيادة في طهران نحو البحث عن نصر خارجي، أو على الأقل خلق حالة من الاستنفار القومي لتغطية الفشل في إدارة شؤون الدولة. ومن دون الالتفات إلى هذا البعد الداخلي سنظل نقرأ الحرب كفعل عسكري معزول عن سياقه الاجتماعي والسياسي.
وتؤكد التقارير الواردة من الداخل الإيراني أن النظام يستثمر المليارات في برامج الصواريخ والمسيرات بينما يعاني قطاع كبير من الشعب من الفقر والبطالة، وهو ما يجعل المغامرة العسكرية الحالية بمثابة هروب إلى الأمام، ومحاولة لتصدير الانفجار الداخلي نحو الخارج.
إن الموقف الخليجي في هذه المرحلة يتسم بالواقعية السياسية والصلابة في الدفاع عن المصالح العليا للدولة الوطنية. وتتفق العواصم الخليجية على أن زمن الصمت عن التدخلات الإيرانية قد ولى، وأن أي تسوية مستقبلية يجب أن تشمل تفكيك شبكة المليشيات، والسيطرة على برنامج الصواريخ الباليستية الذي صار يشكل خطرا وجوديا على مدننا ومنشآتنا.
وتظهر التحركات الدبلوماسية والعسكرية الأخيرة أن هناك تنسيقا عاليا يهدف إلى بناء حائط صد يمنع طهران من تحقيق أي خرق إستراتيجي في الساحة العربية، ونرى أن هذا التوجه لا ينبع من رغبة في الحرب بل من قناعة راسخة بأن الضعف يغري بالعدوان، وأن القوة والتماسك هما السبيل الوحيد لفرض السلام العادل الذي يضمن حقوق الجميع من دون تغول طرف على آخر.
وهنا تبرز أهمية تعزيز العمق الإستراتيجي العربي، وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات المشتركة التي يفرضها هذا الصراع الوجودي.
وبالانتقال إلى البعد الدولي نجد أن القوى الكبرى تتعامل مع الأزمة من منطلق مصالحها الضيقة؛ فالصين تبحث عن ضمان تدفق النفط من دون الانخراط في التزامات أمنية، وروسيا تجد في انشغال العالم بجبهة الشرق الأوسط فرصة لتمرير أجندتها في أوكرانيا.
وهذا يضع دول الخليج أمام حقيقة أن الاعتماد على الضمانات الخارجية لم يعد كافيا في ظل نظام عالمي مضطرب، ومن هنا برزت الحاجة إلى تطوير القدرات الدفاعية الذاتية، وتنويع الشراكات الأمنية بما يضمن أقصى درجات الحماية للمكتسبات الوطنية.
وتتضح الرؤية الخليجية في أن الأمن لا يشترى بل يبنى بالعمل الجاد والتحالفات الصادقة والقدرة على اتخاذ القرار السيادي المستقل في اللحظات التاريخية الحاسمة، ومن دون هذا النهج ستظل المنطقة عرضة للأطماع الخارجية، والتدخلات التي لا تنتهي.
إن الحرب الحالية كشفت أيضا عن هشاشة فكرة وحدة الساحات التي يروج لها النظام الإيراني، فقد تبين أن هذه الساحات ليست سوى وقود للمشروع الإيراني يتم التضحية بها عند أول اختبار حقيقي للحفاظ على أمن طهران.
وحين تعرضت المصالح الحيوية الإيرانية للخطر وجدنا كيف تراجعت نبرة التهديد وتم اللجوء إلى قنوات خلفية لتهدئة اللعب، بينما تركت المليشيات في مواجهة مصيرها.
وهذا الدرس يجب أن يستوعبه كل من يعتقد أن الارتهان للخارج يمكن أن يحمي وطنا أو يحقق سيادة، والحقيقة المرة هي أن طهران مستعدة للتفاوض على حساب حلفائها مقابل ضمان بقائها.
وهذا السلوك يعزز القناعة الخليجية بأن التعامل مع أذرع إيران هو تعامل مع أعراض المرض وليس مع المرض نفسه، لذا فإن التركيز يجب أن ينصب على المصدر الذي يغذي هذه الفوضى ويمدها بأسباب الاستمرار.
وتظهر المعطيات السياسية أن المنطقة مقبلة على رسم خارطة نفوذ جديدة لن يكون فيها مكان للتدخلات السافرة، وستبقى دول الخليج هي الصخرة التي تتحطم عليها أحلام التوسع بفضل وعي شعوبها وقوة قياداتها وتمسكها بنموذج الدولة العصرية الناجحة.
من دون أدنى شك فإن المستقبل يبتسم لمن اختار طريق التنمية والازدهار وواجه التحديات بروح المسؤولية الوطنية والثبات على المبادئ التي تضمن عزة وكرامة الأمة العربية في مواجهة كافة الأطماع الإقليمية والدولية.

