كشفت صورتان متداولتان لميدان فيكتور عمانويل في سموحة بالإسكندرية بين 2020 و2026 عن تحول مساحة خضراء بارزة إلى ساحة أسمنتية بعد أعمال التطوير، ما فجّر موجة غضب واسعة على منصات التواصل.

 

وأظهرت الواقعة أن الغضب لا يقف عند ميدان واحد، لأن مستخدمين ربطوا ما جرى في سموحة بسلسلة إزالة حدائق وأشجار في القاهرة والمنصورة والزمالك والحسين، ضمن نهج حكومي يضع المشروعات الخرسانية فوق حق السكان في المدينة.

 

ميدان عمانويل يتحول إلى ملف غضب عام

 

بدأ الجدل مع نشر صور متجاورة للميدان قبل وبعد التطوير، حيث ركز المتفاعلون على اختفاء الكتلة الخضراء التي كانت تمنح المكان ظلًا واستخدامًا يوميًا للسكان، بينما ظهر المكان بعد الأعمال الأخيرة كمساحة صلبة يغلب عليها الأسمنت وتغيب عنها الأشجار التي شكّلت ذاكرة بصرية للمنطقة.

 

ثم كتب حساب "سياسي مخضرم" أن الفرق بين 2020 والوقت الحالي يلخص حال المدن المصرية، لأن ما حدث في رأيه ليس تطويرًا بل "إبادة لكل مساحة خضراء"، وربط صاحب الحساب بين إزالة الشجر وبين عقلية رسمية لا ترى في الميادين سوى مواقع قابلة للتقسيم والاستثمار.

 

 

وبعد ذلك، وصف مصطفى المشهد في ميدان عمانويل بأنه دليل على كراهية الخضرة والجمال وتفضيل القبح والأسمنت.

 

 

بينما لخص شريف حالة الميدان بقوله إن الناس كانت تجلس تحت ظل الشجر للراحة، ثم جاء التطوير ليغيّر وظيفة المكان وشكله معًا.

 

 

في السياق نفسه، تساءلت رانيا الخطيب عن المرحلة التي تأتي بعد "العصر الأسمنتي".

 

 

بينما كتب إسماعيل حسني أن سياسة الحكومة تقوم على إزالة أي مساحة خضراء واستبدالها بالبلاط أو الأسفلت الأسود، معتبرًا أن ميدان عمانويل أكبر ميادين سموحة تعرّض للصورة نفسها.

 

 

كذلك سخر محمد عبدالرحمن من خطاب التطوير الرسمي، فربط بين رائحة المجاري في الإسكندرية وإخفاء البحر خلف الكافتيريات والنوادي وإزالة الترام والشجر.

 

 

بينما كتب علي أن القضية ليست ترامًا أو شجرًا فقط، بل سياسة واضحة تطبقها جهات مختلفة بإصرار.

 

 

التطوير الرسمي يواجه شهادة السكان

 

لاحقًا، حاولت رواية رسمية ربط أعمال ميدان فيكتور عمانويل بتنفيذ محطات لرفع مياه الأمطار في الإسكندرية، إذ قالت تقارير محلية إن الهدف من المشروع هو معالجة أزمة الغرق السنوية وليس إنشاء محلات تجارية، لكن هذه الرواية لم تمنع الغضب من شكل النتيجة النهائية.

 

غير أن مستخدمين لم ينكروا حاجة الإسكندرية إلى حلول للصرف، بل اعترضوا على إدارة المشروع بصيغة تزيل الخضرة وتترك السكان أمام كتلة صلبة، ومنهم أسامة فاروق الذي قال إن المدينة عانت من الإهمال والزيادة السكانية، ثم أكد أن الجميع تضرر من تقليع الأشجار بصورة غبية.

 

ومن هذه الزاوية، تبدو شهادة أسامة فاروق مختلفة في التفاصيل لكنها لا تبرئ الإدارة المحلية، لأنه أقر بوجود مشكلة غرق في الميدان وبالحاجة إلى محطة صرف، ثم أعاد أصل الأزمة إلى فساد المحليات وتحكم موظفيها في الشوارع والتنظيم والإشغالات.

 

في المقابل، شدد إيهاب الشربيني على أن ميدان عمانويل كان من أرقى ميادين الإسكندرية، واتهم من نفذوا المشروع بإزالة الخضرة والتماثيل الأثرية وإنتاج منظر قبيح، بينما كتبت حسابات أخرى أن التطوير الحالي يعادي مصر والمصريين ويفرغ الأماكن العامة من وظيفتها الاجتماعية.

 

وعند هذه النقطة، يوضح الباحث العمراني يحيى شوكت، مؤسس مبادرة "10 طوبة"، في كتاباته عن العمران أن الحق في المدينة لا ينفصل عن السكن والخدمات والمساحات العامة، ولذلك يتحول قطع الأشجار داخل الأحياء إلى قرار يمس العدالة اليومية وليس مجرد تعديل شكلي في ميدان.

 

كما يذهب المهندس ممدوح حمزة في مواقفه النقدية من مشروعات الطرق والكباري إلى أن إدارة العمران بمنطق هندسي ضيق تهمل الإنسان والمكان، وتساعد هذه الرؤية في فهم غضب سكان سموحة، لأن المشروع عالج الصرف لكنه ترك سؤال البيئة والشكل العام بلا إجابة مقنعة.

 

من سموحة إلى القاهرة: نمط واحد لإزالة الخضرة

 

في امتداد الجدل، استحضر مستخدمون إزالة أشجار أثرية في القاهرة، وقال حساب باسم "لامبرجاك" إن من يفعل ذلك يقصد محو شيء من ذاكرة الناس وصناعة ذاكرة جديدة بلا أساس، بينما كتب أحمد أن الأسمنت ينهش المدينة، وسألت سارة بحسرة عن سبب القبح الذي حدث خلال 6 سنوات فقط.

 

وبينما ركز الغضب على سموحة، أعاد متفاعلون التذكير بما جرى في حديقة الأورمان في سبتمبر 2013، حيث اتهموا الهيئة الهندسية بتدمير أجزاء من الحديقة وقطع نباتات البامبو وإزالة ركن الشاي ونباتات نادرة من أجل أعمال بناء، بما جعل الواقعة جزءًا من سجل أوسع.

 

ثم عاد اسم حديقة اللوتس في مدينة نصر إلى الواجهة، بعدما وثقت تقارير في سبتمبر 2022 إزالة أجزاء من الحديقة لإقامة جراج سيارات ومطاعم وكافيهات، وقالت تقارير صحفية إن أعمال الإزالة جرت تحت إشراف جهات تابعة لمحافظة القاهرة.

 

وبالتزامن مع ذلك، طالت الاتهامات محيط مسجد الحسين في أبريل 2022، حيث أثارت أعمال التطوير غضبًا بعد إزالة أشجار وحديقة وساحة خضراء واستبدالها بالبلاط، بينما ذكرت مصادر رسمية أن شركة المقاولون العرب شاركت في أعمال التطوير تحت إشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

 

كذلك ذكر المتفاعلون أن قوات الجيش سحبت أراضي طرح النهر من شبرا إلى حلوان وأخلت منشآت عليها، وأزالت أشجار أبو الفداء بالزمالك وحديقة أم كلثوم، كما أزالت أجزاء من الحديقة الدولية و"هابي لاند" في المنصورة وأشجارًا من حديقة الميريلاند.

 

ومن جهة أخرى، يرى الخبير البيئي الدكتور مجدي علام، الأمين العام الأسبق لاتحاد خبراء البيئة العرب، في مداخلاته المتكررة بشأن التشجير أن تقليل الغطاء الأخضر يرفع الحرارة ويزيد التلوث داخل المدن، وهو ما يجعل إزالة الأشجار قرارًا بيئيًا مكلفًا لا تجميلًا عابرًا.

 

لذلك، لم تعد صورة ميدان فيكتور عمانويل مجرد مقارنة بين عامين، بل تحولت إلى وثيقة شعبية ضد إدارة عمرانية تكرر النتيجة نفسها في أكثر من مكان، إذ تظهر الخضرة أولًا بوصفها مساحة عامة ثم تختفي لاحقًا تحت لافتة التطوير.

 

وفي الخلاصة، يضع غضب الإسكندرية الحكومة أمام اتهام واضح، لأن السكان لا يرفضون إصلاح الصرف ولا يرفضون حماية الشوارع من الغرق، لكنهم يرفضون أن تتحول كل أزمة خدمية إلى مبرر لإزالة الشجر وتشويه الميادين ومحو ذاكرة المدن لصالح الأسمنت.