أثار قرار استبعاد مئات المتقدمين لمسابقة تعيين المعلمين في مصر بعد ثبوت إصابتهم بفيروس التهاب الكبد الوبائي “B” في حالته الخاملة حالة جدل واسعة داخل الأوساط التعليمية والطبية والقانونية، وسط اتهامات بوجود خلل في معايير اللياقة الطبية، وتناقض بين التفسير العلمي للحالة الصحية وبين قرارات إدارية وصفت بأنها حاسمة ومؤثرة على مستقبل مئات الكفاءات المؤهلة للعمل داخل المدارس الحكومية.
الإطار الطبي بين العلم وتفسير “عدم اللياقة” في قرارات التوظيف
يرى أطباء الكبد أن التعامل مع فيروس التهاب الكبد الوبائي “B” في حالته الخاملة يتطلب تمييزًا دقيقًا بين الحالة النشطة والحالة غير النشطة التي لا تؤثر على القدرة الوظيفية. ويؤكد أستاذ الكبد والجهاز الهضمي د. جمال عصمت أن الحامل غير النشط للفيروس يستطيع ممارسة حياته بشكل طبيعي دون تأثير على الأداء المهني أو القدرة البدنية داخل بيئات العمل غير الطبية.
ويضيف أستاذ أمراض الكبد د. هشام الخياط أن الحالات الخاملة من فيروس B لا تمثل خطرًا في بيئات العمل اليومية مثل المدارس، لأن طرق انتقال العدوى لا تتم عبر المخالطة الاجتماعية أو التواجد داخل الفصول الدراسية، بل تتطلب تعرضًا مباشرًا للدم أو سوائل بيولوجية معينة، وهو ما لا ينطبق على البيئة التعليمية المعتادة.
وتؤكد إرشادات منظمة الصحة العالمية أن فيروس التهاب الكبد B لا ينتقل عبر التعامل اليومي أو التواجد المشترك في أماكن العمل، وإنما عبر طرق محددة مثل التعرض المباشر للدم. هذا التوصيف العلمي يثير تساؤلات حول مدى دقة استخدام مصطلح “غير لائق طبيًا” في سياقات التوظيف التعليمي.
تداعيات القرار على أزمة عجز المعلمين واستقرار العملية التعليمية
ويحذر خبراء التعليم من أن استبعاد أعداد كبيرة من المعلمين المؤهلين قد يؤدي إلى تفاقم أزمة العجز داخل المدارس الحكومية التي تعاني بالفعل من نقص مزمن في أعداد الكوادر التعليمية. هذا العجز ينعكس بشكل مباشر على كثافة الفصول ومستوى التحصيل العلمي لدى الطلاب في مختلف المراحل التعليمية.
ويشير متخصصون تربويون إلى أن الاعتماد المتزايد على نظام “معلم الحصة” لا يوفر استقرارًا كافيًا للعملية التعليمية، إذ يفتقر إلى الاستمرارية المهنية ويؤثر على جودة التخطيط الدراسي داخل المدارس، مقارنة بالمعلم المثبت الذي يتمتع بدرجة أعلى من الاستقرار والالتزام داخل المؤسسة التعليمية.
كما يرى خبراء في سياسات التعليم أن أي استبعاد غير قائم على الكفاءة الفعلية قد يضعف قدرة الدولة على سد العجز القائم، خاصة في المناطق الأكثر احتياجًا، حيث تعتمد المدارس على حلول مؤقتة بدلًا من تعيينات دائمة تضمن استقرار العملية التعليمية على المدى الطويل.
البعد الحقوقي وإشكالية معايير اللياقة الطبية في التوظيف العام
تؤكد النائبة سناء السعيد، عضو مجلس النواب، أن تلقيها شكاوى متعددة من معلمين مستبعدين لأسباب صحية مستقرة يعكس حاجة ملحة لإعادة النظر في معايير اللياقة الطبية المعمول بها في التوظيف، مشيرة إلى أن هذه المعايير يجب أن ترتبط بالقدرة الفعلية على أداء العمل وليس بمجرد التشخيص الطبي.
وترى أن الدستور يكفل حق المواطن في العمل دون تمييز، وأن وجود حالة صحية مستقرة لا يجب أن يكون سببًا دائمًا للإقصاء من الوظائف العامة، خاصة في قطاع التعليم الذي يعتمد على الكفاءة العلمية والقدرة التربوية أكثر من الحالة الصحية غير المؤثرة على الأداء.
ويضيف خبراء الصحة العامة أن الاتجاهات الحديثة في تقييم اللياقة الوظيفية أصبحت تركز على الأداء الفعلي والقدرة العملية بدلًا من الاعتماد الحصري على التشخيص الطبي، مع التمييز بين الحالات النشطة والحالات غير المؤثرة سريريًا، وهو ما يدعم الدعوات لمراجعة المعايير الحالية.
وأخيرا تكشف هذه القضية عن فجوة واضحة بين التفسير الطبي العلمي والمعايير الإدارية المستخدمة في التوظيف، في وقت تحتاج فيه المنظومة التعليمية إلى تعزيز أعداد المعلمين المؤهلين بدلًا من تقليصهم. وبين الاعتبارات الصحية واحتياجات التعليم، يظل الجدل قائمًا حول ضرورة إعادة صياغة معايير اللياقة الوظيفية بما يحقق العدالة والكفاءة معًا.

