فرضت الحكومة خفضاً جديداً في إمدادات الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة الكبرى بنسبة بلغت 33%، ما أسفر عن تعطيل خط إنتاج كامل في كل مجمع صناعي، لتتسع فجوة العجز بين الإنتاج المحلي والاستهلاك المتزايد في ظل شلل آليات التخطيط وإدارة موارد الطاقة داخل مصر.
​
​
جاء هذا القرار الحكومي الصادر لأجل غير مسمى ليطال شركات "أبو قير للأسمدة" و"مصر لإنتاج الأسمدة (موبكو)" و"المصرية للأسمدة"، عاكساً تفاقم أزمة توفير المحروقات، مع عجز السياسات المتبعة منذ سنوات عن حماية قطاعات التصدير الاستراتيجية من تداعيات القفزات السعرية العالمية.
​


​
أزمة توريد الغاز تشل خطوط الإنتاج
​
​
وتجسد هذه الخطوة المفاجئة تصعيداً حاداً في تقليص الوقود الموجه للمصانع، بعد أن كانت النسبة المقررة 20% فقط عند بداية التطبيق في الأول من شهر نوفمبر الجاري، الأمر الذي يضع مصانع الكيماويات والميثانول تحت ضغوط تشغيلية خانقة تهدد استمرار عمل منشآتها الإنتاجية بكفاءة مقبولة.
​
​
وبحسب مسؤول مطلع، فإن الإخطار الرسمي الذي تلقته الشركات الكبرى الـ 3 يقضي بوقف خط إنتاج كامل في كل مصنع حتى إشعار آخر، مما يعني هبوطاً قسرياً في الطاقة التشغيلية بنحو الثلث، وهو ما يفضح هشاشة تأمين إمدادات الطاقة للصناعات الثقيلة في البلاد.
​
​
ومن جهتهم، يرى ممثلو المعارضة السياسية أن اللجوء إلى خفض الإمدادات يعبر عن فشل الإدارة الاقتصادية التي يوجهها نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، محذرين من تبعات التضحية بالقطاع الصناعي لتغطية العجز التمويلي المزمن وتراجع إنتاج حقول الغاز الطبيعي بصورة متسارعة.
​
​
إضافة إلى ذلك، فإن تقليص الغاز الصناعي يهدد المعروض من الأسمدة النيتروجينية في الأسواق المحلية، مما ينعكس سلباً على القطاع الزراعي والفلاحين الذين يعانون أصلاً من ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، في ظل غياب أي خطط بديلة لحماية الأمن الغذائي الوطني من الانهيار.
​
​
وفي هذا الصدد، يوضح نائب رئيس الهيئة العامة للبترول الأسبق، المهندس مدحت يوسف، أن تعطيل خطوط الإنتاج بصورة مفاجئة يرفع معدلات الاستهلاك الداخلي للطاقة البديلة، مشيراً إلى أن تقليص الغاز بنسبة 33% يضع الشركات أمام خسائر تشغيلية باهظة يصعب تعويضها على المدى القريب.
​
​
واستناداً إلى تلك الحقائق، فإن استمرار هذا الإجراء لأجل غير مسمى يشير إلى عمق الأزمة الهيكلية، لافتاً إلى أن تعليق العمل بخط كامل في مصانع عملاقة مثل موبكو وأبو قير يهدد العقود التوريدية المبرمة، ملقياً بظلال سلبية على مصداقية الصناعة الوطنية أمام الشركاء الدوليين.
​


​
ارتفاع أسعار الاستيراد يعمق عجز الموازنة
​
​
وتعود أسباب هذا القرار المتخبط إلى الارتفاع الصاروخي في أسعار شحنات الغاز المسال عالمياً، بالتزامن مع تزايد أعباء تدبير العملة الصعبة للاستيراد، مؤكداً وقوع قطاع الطاقة في مأزق مالي ناجم عن التوسع في الالتزامات الخارجية دون تأمين بدائل إنتاجية محلية مستدامة وقادرة على الصمود.
​
​
وتظهر البيانات المنشورة أن أسعار توريد الغاز لمصانع الأسمدة الأزوتية تخضع لمعادلات تسعير تتبع الأسواق الدولية، إذ ارتفعت التكلفة الفعلية على المنتجين إلى أكثر من 9 دولارات للمليون وحدة حرارية بريطانية بنهاية شهر أبريل 2026، مقارنة بنحو 5.5 دولار في شهر مارس من العام ذاته.
​
​
وفي سياق الأسواق العالمية، قفز مؤشر أسعار الغاز الطبيعي المسال الآسيوي إلى 31.49 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية في 7 نوفمبر الجاري، وهو ما يبرز الفارق الهائل بين تكلفة الشراء الخارجي وأسعار التوريد الداخلي، ملقياً بتبعات مالية مرهقة على كاهل الخزانة العامة للدولة.
​
​
وتتحمل الموازنة المصرية أعباء شحن وتفريغ الشحنات المستوردة وإعادة تحويل الغاز المسال إلى طبيعته الغازية، ما يخلق هوة تمويلية متسعة بين سعر الاستيراد الباهظ وسعر البيع المدعوم للمصانع، لافتاً إلى سوء إدارة ملف الطاقة وتأخر تنفيذ مشروعات الإسالة والتخزين المحلية لتفادي تقلبات الأسعار.
​
​
ويؤكد أستاذ الاقتصاد، الدكتور مصطفى شاهين، أن الفجوة المتسعة بين أسعار الاستيراد العالمية والتسعير المحلي تفضح خللاً جسيماً في التوازن المالي، مبيناً أن نقل أعباء أزمة الطاقة إلى قطاع الأسمدة يؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد وتدهور القيمة المضافة لقطاع التصنيع بأكمله.
​


​
تراجع الصادرات يحاصر عائدات النقد الأجنبي
​
​
ويأتي تعليق خطوط الإنتاج في توقيت بالغ الحساسية، بعد أن حققت صادرات مصر من الأسمدة نحو 2.53 مليار دولار خلال الأشهر الـ 9 الأولى من عام 2026، مقابل 2.22 مليار دولار في الفترة المقابلة من العام الماضي، مسجلة نسبة نمو بلغت 14.2%.

وتشير أرقام المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة إلى أن إجمالي صادرات القطاع سجل 9.54 مليار دولار في الأشهر الـ 9 الأولى من العام الحالي، مقارنة بنحو 7.14 مليار دولار للفترة المقابلة من عام 2025، محققاً قفزة إجمالية قدرها 33.6%.
​
​
وعلى الرغم من هذه المكاسب التصديرية الكبيرة، فإن قرار تقليص الغاز بنسبة 33% يهدد بانتكاسة خطيرة لعائدات النقد الأجنبي الشحيحة في البلاد، مؤكداً أن حرمان المصانع من الوقود يعصف بقدرتها على الوفاء بتعهداتها الخارجية، مما يقوض أحد أهم روافد تدفق السيولة الدولارية للاقتصاد المصري.
​
​
ويوضح الرئيس الأسبق للجمعية المصرية للاستثمار المباشر، هاني توفيق، أن ضرب قطاع الأسمدة المصدر يمثل تضحية غير محسوبة بمصدر رئيسي للعملة الصعبة، لافتاً إلى أن استمرار إغلاق خطوط الإنتاج سيفقد مصر أسواقها التصديرية لصالح منافسين إقليميين، مما يضاعف من وطأة الضغوط التضخمية الداخلية.
​
​
وفي ظل غياب الحلول الجذرية، تتصاعد مخاوف الأوساط العمالية والصناعية من تداعيات تسريح العمالة أو خفض الأجور نتيجة توقف خطوط الإنتاج، مشيراً إلى أن تقليص الإنتاج بنحو الثلث يفرض أعباء مالية كارثية على الشركات المساهمة، مما يهدد استقرار مراكزها المالية أمام المساهمين.
​
​
ويجمع مراقبون للشأن الاقتصادي على أن سياسات التقشف في إمدادات الطاقة تعكس عمق التخبط الحكومي في ترتيب أولويات الإنتاج الوطني، مؤكدين أن إخضاع قلاع الصناعة المصرية لقرارات تقليص مفاجئة يعرقل النمو الاقتصادي، ويضع مستقبل التنمية في مواجهة مباشرة مع تبعات الأزمات العالمية غير المدارة.